إسهامات

لقد قَيَّضها الله تعالى لخدمة الإسلام وأهله فتركت بصماتها على صفحات التاريخ الإسلامي، لتكون من النساء اللاتي شاركن في ركب الحضارة الإسلامية والمضي بها في طريق الرقي والازدهار.

ولدت السيدة ماما بنت سليمان بن إبراهيم عام (1280ﻫ / 1863م) في مدينة غرداية بالجزائر، وترعرعت في أحضان عائلة مؤمنة قوية.

أخذت علومها الأولى في كُتّاب المدينة فاستظهرت نصف القرآن الكريم، وأتقنت القراءة والكتابة، وأخذت حظاً من علوم الشريعة، ومبادئ العربية والنحو من بعض مشائخ عصرها كأمثال الشيخ بابكر بن مسعود، والشيخ بهون بن موسى، وزوجها الشيخ يعقوب الغرناوت، وابنها الحاج بكير بن عمر، وغيرهم الكثير.

حفظت عقيدة التوحيد، ودرست الفقه من كتاب الإيضاح، والنيل وشرحه، والتفسير من كتاب تيسير للقطب أطفيش، والنحو من كتاب الأجرومية، والسيرة النبوية، وتاريخ الإباضية، وأما الأخلاق وتهذيب النفس فمن كتاب قناطر الخيرات.

كانت حياتها منارة هدى وإيمان في بيوت التقوى والصلاح، فتحت منزلها لتعليم بنات جنسها القرآن الكريم والعقيدة الصحيحة والعبادات، أخذت توجه النساء وتعظهن في حصص أسبوعية مستمرة وخاصة في شهر رمضان فكانت لنساء بلدها المعلمة المؤمنة والمرشدة الصالحة.

انضمت هذه الأم المربية إلى حلقة المرشدات بغرداية وترأستها عام 1324ﻫ فأخذت على عاتقها مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما حلت، لا تخاف في الله لومة لائم، فهي تعلن البراءة والهجران من النساء المستحقات لذلك في مقرهن العمومي وتعلن العفو عن التائبات كذلك، فأصبحت بمثابة عصبة البلد والعمود الفقري لتماسك العائلات عن أمواج الجهل والفتن المتلاطمة، وذلك من خلال سعيها الدؤوب لإصلاح ذات البين لما لها من قوة في الذكاء، ومكانة في المجتمع، وهيبة في النفوس، وحكمة في الرأي، وكان لها خبرة في سياسة الأمور حتى أصبحت نحل استشارة الأعيان والعزابة والقواد، ومن خلال مهمتها كرئيسة للمرشدات ألزمت نفسها الإشراف المباشر على تطبيق أوامر المسجد في الأوساط النسوية بكل حرارة وإخلاص لدى جميع المناسبات المقننة من طرف العزابة في المسجد، فهي بالتالي كانت حلقة الوصل بين العزابة وأعيان البلد والمجتمع النسوي، ومن أهم أعمالها الجليلة التي بذلت الجهد من أجلها مقاومتها للبدع والخرافات في زمانها، فقد قضت هذه المربية الفاضلة على كثير من الخرافات التي كانت تخيم على العقول بسبب الجهل والتقليد الأعمى، واستبدلتها بالتقاليد الطيبة النظيفة، مثال ذلك: منع زغاريد النساء عند رؤية السيل، ومنع زغاريدهن صباحا بعد اللقاء الأول بين العروسين، ومنع الإسراف في تزيين العروس شفقة على الضعيف، ومنع بعض الأطعمة والهدايا التي كانت يتبادلها الناس فيما بينهم في المناسبات، وفرض تحية (السلام عليكم) عند جميع الناس عوضا عن التحيات الأخرى غير المعهودة في الإسلام، ومنع كل ما فيه كشف لحجاب المرأة وضياع حرمتها، ولقد استجاب أهل غرداية لهذه المرأة الصالحة بكل ثقة ورغبة ورهبة، وكانت قاعدتها الأساسية للإصلاح والمقاومة هي الولاية والبراءة التي لا تطبق من جهة فرد واحد وإنما جماعة النساء والرجال فيعطي ذلك أثره العميق في الامتثال لأوامر الله والانتهاء عما نهى الله عنه، ولقد تقدمت هذه المرأة المؤمنة جنبا إلى جنب مع أخواتها الصالحات مع الرجال في الثورة على الاستعمار الفرنسي الذي قام به على الجزائر عام 1270ﻫ، فقد ذكر الأستاذ إبراهيم قرادي في رسالته: (إن الجماعات الدينية للنساء نظمت مؤتمراً تحت رئاسة رئيسة الجماعة الدينية النسائية بغرداية وهي المسماة (ماما بنت سليمان) وقررن إصدار أوامر بمقاطعة كل ما يتصل بالفرنسيين من لباس ومواد وغيرها وحمّست هذه المرأة الكريمة الجماهير على هذه المقاطعة السلبية وعقوبة كل من خالف الاجتماع هو إعلان (البراءة والهجران) ضده سواء من الرجال أو النساء، فعمّر الإضراب أكثر من ثلاثين عاما، ترك أثرا إيجابيا على المؤمنين بالفكرة، فكان الطفل يتدرب على ذلك منذ نعومة أظافره من أمه حتى لا تكون لديه عقدة ضدها فيرميها ويبتعد عنها، ولقد نجح إضراب ماما بنت سليمان نجاحاً باهراً فإلى عهد قريب كان اللباس الأوروبي ومأكولاته ومغرياته كلها مرفوضة، وكان لهذا الموقف المشرف من هذه المرأة المؤمنة يعتبر من المواقف التي رفعتها إلى مصاف زعيمات النساء المسلمات في العصر الحديث، فقد اعتبرها صاحب كتاب (ثورات النساء في الإسلام) واحدة من اثنتي عشرة امرأة اشتهرت بمواقف بطولية في العالم، ولقد أعدت هذه المرأة الحصيفة العدة لليوم الآخر وعملت بقول الرسول الكريم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فقد بذلت نفسها لتعليم بنات جنسها في منزلها وسط المدينة وفي البساتين ثم بعد ذلك حبست كتبها لمن يطلب العلم، ونصت في وصيتها على شراء دار يوقف للتعلم وسط المدينة مما يفضل من الثلث، فما أعظمها من وصية، وصية من أجل طالب العلم الذي سيحمل شعلة العلم والإيمان لأسرته وجيرانه ومجتمعه، وبعد هذا الجهاد العظيم في سبيل إعلاء كلمة الله، وفي نهاية شهر رمضان المبارك ذكّرت النساء بفضائل العيد، وقرأت لهن خطبة عيد الفطر المبارك المعروفة في (وادي ميزاب)، وهي متزينة بلباس العيد، فقالت للنساء: (أتمنى لقاء الله على هذه الحالة) وما هي إلا لحظات حتى أصبحت في جوار الخالدين في جنات النعيم يوم 29 من رمضان عام (1349ﻫ / 1931م) رحمها الله ورضي عنها وجعلها الله برفقة النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيق.

-بتصرف-

المصدر: كتاب السيرة الزكية للمرأة الإباضية. بدرية بنت حمد بن خليفة الشقصية ص89-92

شاركنا بتعليقك