إسهامات

الدين غذاء كلي شامل، غذاء للروح وللعقل وللبدن جميعا؛ فكل الصلوات، وكل الزكوات، وسائر الأعمال من الأركان والسنن والفضائل أطباق شهية من غذاء الدين. بيد أن كثيرا من الناس في هذا العصر غلب عليهم الاهتمام -من الدين- بما يغذي العقل فقط، أو ما يغذي عزيمة جهاد العدو فقط، أو ما يشحذ الذهن لخوض غمار الصراع السياسي فقط. وكل ذلك زاد ضروري للمؤمن، لكنه جزء من الدين وليس كل الدين.

ومن ثَمَّ كان لابد من تغذية أخرى، تغذية ترجع على كل ما سبق بالتخلية والتحلية؛ حتى يكون معبّراً بصدق وإخلاص عن حقيقة الدين.. تغذية ذات طبيعة أخرى ومذاق آخر، تنال فيها من لذات الروح ما لا تجده في شيء آخر.. إنها "خلوة الروح للمناجاة والابتهال"، خلوةٌ لا يعكر صلتَك بالله فيها شيءٌ على الإطلاق.

إنه ما ردّ خاوي اليدين أحداً، إنه تكرّم على من شاء بما شاء وأسعد كل قلب خفق إخلاصًا وصفاء. نرجو رحمتك أيها الموجود الأزلي الذي هو سـببُ وجودنـا وعلته، وروح أرواحنا! يا من نوره ضياء أعيننا وأبصارنا! لو لم تنفخ الروح في أبداننا لبقينا حمأً مسنونًا، ولو لم تهب النور لأعيننا كيف كنا نستطيع فهمَ وتقييمَ الكون مِن حولنا، وكيف كنا نسـتطيع معرفتك؟ لقد أوجدْتَنا مرتين؛ مرة عندما خلقتنا… ومرة عندما وهبت لنا الإيمان والعرفان. ولو قمنا بحمدك والثناء عليك بعدد ذرات الكون، لما وفّينا حقك من الشكر.

يا أجمل من كل جميل! ويا أبهى من كل بهي! يا من تُظهر صور الجمال في كل آن وحين، وتستر ما يبدو قبيحًا حتى تضفي عليه مسحة من الجمال! نتضرع إليك أن تملأ قلوبنا بمشاعر الجمال وأحاسيسه، وأن تبصّرنا بطرق الجمال ومسالكه على الدوام.

يا أرحم من كل رحيم! يا من لا تعاقب المسيء فورًا، بل تمهل وتتغاضى عمن يتجاوز حدّه، وتترك له فرصة لتنقية قلبه من الذنوب والآثام المعنوية! احفظنا يـا رب من التلوث بالآثام وبالذنوب، واغفر لنا عندما نتلوث ببعضها، ولا تحرمنا من مغفرتك ومن رحمتك ولا تبعدنا عنها. كنا عدمًا فأوجدتنا، ونحن مستمرون في الحياة بفضلك وبلطفك وبجودك وإحسانك، محاطون على الدوام بجودك وبإحسانك وكرمك. أنت يـا رب من يمنح النور لعقولنا، ولذةَ الإيمان لقلوبنا. كان العقل في تشوش وتخبط حتى وصل إليك، وكانت النفس تعدو وراء البغي. وعندما جعلتَ العقل مرشدًا وهاديًا لجمت به أهواء النفس وفتحت أمامها أفق الاطمئنان. لقد وَجدنا أنفسنا بفضلك، وتخلصنا من الضياع هنا وهناك في الدروب بلطفك.

ما وصلتْ قلوبنا إلى الاطمئنان إلا بمعرفتك. وما تخلصت أفكارنا من الهذيان القاتل وانسلّت منه إلا بالاستسلام لك. أتينا إلى بابك وطرقناه بذلة وخضوع، ندعوك أن تديم هذه الذلة لك إلى أبد الآبدين. اسمُك على الدوام على شفاهنا عند دعائك، ننتظر بِرَهْبة وخشية جوابك. لم يَسـمعنا حتى اليوم سـواك، ولم يربّت بشفقة على رؤوسـنا أو ينظر أحد سـواك إلى وجوهنا. كل ما وجدناه كان من عندك وحدك. وبفضل الإيمان بك تخلَّصْنا من مشاعر الغربة والحيرة والذهول، ومن آلام الوحدة والوحشة، لذا نتوجه إليك مرة أخرى بكل كياننا نطلب منك العفو والعافية.

نعوذ بك من قساوة القلب، ومن الاستناد إلى غيرك، ومن الغفلة ومن الإهانة والهوان، ومن المسكنة والجهل، ومن علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ونفس لا تشبع، ومن دعاء لا يستجاب له، ومن زوال النعم، وتغير الألطاف، ومن عذاب عاجل وغضب ماحق.

ندعوك أن تهب لنا لسانًا ضارعًا، وقلبًا خاشعًا. اقبل منا يا رب توبتنا، ونقنا من خطايانا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واستجب دعاءنا، وافتح آفاق قلوبنا، وألـزِم ألسـنتنا كلمة الصدق، وطهر قلوبنا من الدنس يا رب! وهب لنـا يا رب ثباتًا في أعمالنا، وعزمًا وقرارًا في طريق القرآن، وحساسية تجاه نعمك. لا تُرجِعْ يـا رب من يـدق بابك خائبًا، وتفضل بنعمك وألطافك على عبادك الطائعين، واهد من عصاك وضلَّ عن سبيلك. وزيِّنْ دعاء المضطرين بالاسـتجابة لهم، وساعِدْ أصحاب الكرب، وعالجْ أصحاب القلوب المريضة وهب لهم الشفاء، وأظهر نورك للذين يتخبطون في ظلمة الكفر والإلحاد كي لا تبقى فيهم أي نقطة أو ركن مظلم.

-بتصرف-

المصادر:

         - مجلة حراء.

         - الموقع الرسمي لفتح الله غولن.

شاركنا بتعليقك