إسهامات

"شروط النهضة"، كتاب نشره المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) بالفرنسية في عام 1948، قبل أن يترجم إلى العربية لاحقاً، وينضم إلى سلسلة كتب له تحت عنوان عام هو "مشكلات الحضارة"، كتب بعضها بالعربية مثل كتاب "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة" (1961) وترك بعضها لعدد من المترجمين.

اعتنت هذه السلسلة أولاً ببحث أسباب انحطاط الحضارة الإسلامية، وثانياً بكيفية عودة العرب بخاصة والمسلمين بعامة، إلى التاريخ، بعد غياب امتد كما يرى منذ سقوط دولة الموحدين في العام 1369 وصولاً إلى الأزمنة الحديثة، وتخللت هذا الجهد الفكري دراسات وضعها في إطار مشكلات الحضارة أيضاً، مثل مشكلة الثقافة، ومشكلة الأفكار، ومشكلة إنسان ما بعد الحضارة، ومشكلة التراب، ومشكلة الزمن.

وتفرّد هذا المفكر بإرجاع مشكلات نهوض المجتمعات وانحطاطها إلى الإطار الحضاري، وبحثها ووضع اليد على حلول لها في هذا الإطار، مما دفع بعض الكتاب إلى اعتباره امتداداً لابن خلدون (1332- 1406) مبتدع علم الحضارة، أو العمران بمصطلحات زمنه.

يقسم بن نبي كتابه الذي بين أيدينا إلى بابين، باب الحاضر والتاريخ، وباب المستقبل. يتناول في الأول الظاهرة الإصلاحية التي بدأت في الجزائر في العام 1925 منطلقاً من أن الكلمة تساهم إلى حد بعيد في خلق الظاهرة الاجتماعية، ويعني بها الاهتداء بالآية القرآنية "إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم" (الرعد:11)، ويحدد ساعة اليقظة والحركة الشعبية بظهور حركة الإصلاح التي نهض بها العلماء الجزائريون، وعلى رأسهم بن باديس. إلا أنه يأخذ على هذه الحركة مسايرتها للسياسيين وممالأتهم، وغرقها في ما سماها أوحال السياسة.

ولديه أن الجزائر بدأت تشهد انبعاثاً فكرياً وروحياً بفضل تركيز الحركة على تشييد المدارس والحديث في الشؤون الاجتماعية والتعليم والتربية وتطهير الأخلاق والعادات ومستقبل المرأة واستخدام رؤوس الأموال، إلا أن المشاركة في مؤتمر العام 1936، جعلها "تضل طريقها، وتعود أدراجها ميممة وجهها شطر السراب السياسي، فتوارت بوارق النهضة والتقدم".

يقول بن نبي ناقداً ما اعتبره إخفاقاً: "أصبحنا لا نتكلم إلا عن حقوقنا المهضومة، ونسينا الواجبات، ونسينا أن مشكلتنا ليست في ما نستحق من رغائب، بل في ما يسودنا من عادات، وما يراودنا من أفكار، وفي تصوراتنا الاجتماعية .. وما فيها من نقائص تعتري كل شعب نائم.. فبدلاً من أن تكون البلاد ورشة للعمل المثمر والقيام بالواجبات الباعثة إلى الحياة، أصبحت سوقاً للانتخابات". 

شاركنا بتعليقك