إسهامات

يقول الجنرال فيفان الفرنسي وزير المستعمرات: "ونحن الفرنسيين نعلم أن الجزائر لم يدافع عنها بحق إلا المزابيون، فإن آخر قوة بقيت تدافع بعد استسلام الداي، استسلام ذل وصغار، واحتلال العاصمة، واستمرت ترسل نيران مدافعها هي قوة المزابيين بجبل سيدي بنور، ولما ورد مْزاب خبر سقوط العاصمة في يد الفرنسيين، مكث المزابيون ثلاثة أيام لم توقد نار في بيت من بيوتهم، لا حزنا على شهدائهم بل تقديرا لفداحة الخبر"

نعرض لكم هنا بعض الصفحات الخالدة في تاريخ المزابيين، شاركوا فيها بأموالهم وأنفسهم وبكل ما يستطيعون في سبيل إعلاء كلمة الله. وهي قطرة من بحر، وغيض من فيض:

  • بنو مزاب في جربة عام 916ﻫ/ 1510 م :

كان لعروج بربروس ( والي الجزائر العثماني ) اتصال وعلاقة بالشيخ باحيو بن موسى وفرقته الفدائية من الفرسان المزابيين المرابطين في السواحل الجزائرية. وقد شاركت هذه الفرقة من الفرسان في صد غارة الإسبان على جزيرة جربة بالجنوب الشرقي لتونس سنة 1510 م، والتي تحطمت فيها حملة: "دون قارصيا دو طليطلة" العتيدة.

  • بنو مزاب في الجزائر العاصمة سنة 925 ﻫ/ 1518 م: "كدية الصابون"

إن خير الدين بربروس ( والي الجزائر العثماني من 1518 ) لما أحس بخطورة الموقف بعد احتلال الإسبان لمنطقة "كدية الصابون" (منطقة قرب الجزائر العاصمة)، وإحاطة العدو الإسباني بمدينة الجزائر، استدعى إلى قصره الشيخ باحيو بن موسى وهو من تجنينت، وأمين المزابيين في الجزائر بكير بن الحاج محمد بن بكير وهو من آتمليشت، وغيرهما من المجاهدين المزابيين يستشيرهم، فأشاروا عليه بالقيام بعملية فدائية، قد يكون بها إحباط المخطط الإسباني وانهزامه، واتفقوا معه على أن يقوموا هم بالعملية.

بعد ذلك اجتمع المزابيون بمكان معين هو مكان المسجد الإباضي العتيق بالعاصمة حاليا، تحت إشراف أمينهم، فاختاروا من بينهم سبعين فدائيا، وقرروا حمل السلاح على النعش كجنازة والسير به إلى المعسكر الإسباني في حي حسين داي (أحد أحياء العاصمة الجزائرية) فذهبوا بالتهليل والتكبير مخترقين قوات العدو على طول الطريق، وكان العدو يراقب المشيعين عن كثب، فلما بلغوا بالجنازة الوهمية المكان المقرر صلوا عليه إيهاما للعدو. ولتنفيذ العملية الفدائية، أمر رئيس الفرقة واحدا يقوم بنسف مستودع البارود في المعسكر، فخرج إليه شخص يلبس عباءة من نوع اللش (تصنعها المرأة المزابية من الصوف متعدد الألوان تنسج فيها عددا من الرموز والرسوم التقليدية)، وأخفى تحتها قرابيلا فدخل بسرعة ومهارة في المعسكر الذي لا يحرسه إلا عدد قليل من الجنود الإسبان فنسف المستودع واستشهد، فالتحمت المعركة وأشغل الفدائيون النار في المعدات الحربية والقوارب التي تصل الأسطول الإسباني بالشاطئ.

فلما شاهدت قوات العدو المتمركزة بكدية الصابون أن المعسكر والقوارب تلتهمها النيران، انقسمت إلى نصفين، قسم أسرع لإنقاذ المعسكر وآخر يواجه ضربات المجاهدين الذين فتحوا أبواب المدينة بعد العملية الفدائية، ولم يكد ينجو من هذه المعركة أحد من الإسبان، وقد تم هذا النصر يوم الأحد 23 أوت 1518م -925ﻫ، وفر القائد الإسباني دون هوقو مع ما بقي من الجنود، أما الشهداء المزابيين فدفنوا هناك في حسين داي الحالي.

  • العدوان الفرنسي على الجزائر:

وعلى إثر العدوان العسكري الفرنسي والإنزال الذي شهدته شبه جزيرة سيدي فرج بالضواحي الغربية لمدينة الجزائر، راسل الباشا حسين داي الجزائر سائر النواحي الجزائرية. وقد تولى الآغا أفندي إبراهيم قيادة الجيش الجزائري الذي كان ينضم إليه في كل يوم بضعة آلاف من العرب والقبائل والأعراش بقيادة باياتهم وشيوخهم أو خلفائهم فوصل باي قسنطينة إلى سطح الوالي (سطاوالي) مع حوالي 12000، وباي التيطري مع 8000 وخليفته مع 3000 وخليفة باي وهران مع6000، ومع شيوخ القبائل ما بين 16000 و18000، وأمين الميزابين مع حوالي 4000 مجاهد. وهذا حسب تقديرات الطبيب الألماني (سيمون بفايفر). ولا ندري ما معتمد الشيخ توفيق المدني في تقدير تعداد مساهمة المزابيين في جيش المتطوعين، حين أحصى عددهم بألف رجل.

وهكذا أصبح الجيش الجزائري بإضافة حرس الآغا أفندي وسكان الجزائر الذين تواصلوا إلى المعسكر بدفعات كثيرة، يضم 50 ألف رجل على الأقل. ويبدو أن لا الداي ولا الآغا إبراهيم يعرف مقدار القوات الجزائرية المحاربة.

وتذكر بعض الروايات والمراجع أن المجاهدين المزابيين استماتوا في الدفاع في الساعات الأولى من الهجوم على الجيش الفرنسي، وقد سقط منهم عدد كبير في ميدان الشرف، ولهؤلاء مقبرة في سطاوالي اختفت معالمها.

وعند سقوط مدينة الجزائر في الخامس من جويلية 1830 في يد الجيش الفرنسي امتد وقع الخبر إلى مزاب، فأضرب السكان هناك عن إيقاد النار في بيوتهم ثلاثة أيام، تقديرا لفداحة الخطب وهول الكارثة، واستعدادا لمواجهة المرحلة الجديدة.

ولا نستغرب استماتة المزابيين في الدفاع عن البلاد التي تعتبر موردا لأرزاقهم، فضلا عن أنها بلاد إسلامية، وهذا قبل أن تتبلور معاني الوطنية الجامعة التي توحد مشاعر الشعب وتحدد أهدافه في إطار الحركة الوطنية الشاملة.

  • بنو مْزاب في الجزائر العاصمة عام 1830م:

يقول الشيخ أحمد توفيق المدني: "وقد كان الباشا راسل سائر النواحي الجزائرية، فأجابته بأنها مستعدة لإرسال رجالها للحرب، وأرسل المزابيون -مع أمينهم في العاصمة- أربعة آلاف رجل للمشاركة في الدفاع وتجمعت الجموع كلها في اسطاوالي، بينما تمكن الجند الفرنسي يوم 13 جوان 1830 من النزول إلى البر داخل شبه جزيرة سيدي فرج، وتحصن بها دون مقاومة تذكر".

ويضيف الشيخ حمو بن عيسى النوري "إن المجاهدين المزابيين، استماتوا في الدفاع في الساعات الأولى من الهجوم على الجيش الفرنسي، وقد سقط منهم عدد كبير في ميدان الشرف، وفي مقدمتهم البطل اطفيش داود بن يوسف شقيق قطب الأئمة، ولهؤلاء الشهداء مقبرة في اسطاوالي في ساحة طمست آثارها اليوم".

وممن شارك في الدفاع عن العاصمة في هذه المعركة جد الشيخ مطياز ابراهيم من الأم، عيسى بن موسى الأمين الذي جرح ونقل إلى مْـزاب، واستشهد أخوه محمد بن موسى وجد الشيخ مطياز من الأب كذلك.

ونجد العدو يشهد أن آخر حامية استمرت في إرسال نيرانها بعد احتلال العاصمة هي حامية المِزابيين بجبل سيدي بنور.

يقول الجنرال فيفان الفرنسي وزير المستعمرات: "ونحن الفرنسيين نعلم أن الجزائر لم يدافع عنها بحق إلا المزابيون، فإن آخر قوة بقيت تدافع بعد استسلام الداي، استسلام ذل وصغار، واحتلال العاصمة، واستمرت ترسل نيران مدافعها هي قوة المزابيين بجبل سيدي بنور، ولما ورد مْزاب خبر سقوط العاصمة في يد الفرنسيين، مكث المزابيون ثلاثة أيام لم توقد نار في بيت من بيوتهم، لا حزنا على شهدائهم بل تقديرا لفداحة الخبر".

  • بنو مْزاب في سهول متيجة:

لقد استشهد كثير من المزابيين في المعارك الطاحنة التي قادها ضد المحتلين كل من ابن زعمون والحاج يحيى بن المبارك ومصطفى بن مرزاق، وذلك بين وادي الحراش وبوفاريك والبليدة، وخصوصا في المعركة الضارية التي بين حجوط وبني مراد. وللمزابيين مقبرة مشهورة خاصة على الطريق الصاعد إلى الشريعة، تضم رفات 35 شهيدا سقطوا في تلك المعارك.

  • بنو مْزاب في صفوف الأمير عبد القادر:

لما التحق سيدي السعدي بالأمير عبد القادر لمواصلة جهاده انضم كذلك المزابيون إليه، فكانوا أطوع جنده، فاتخذهم في بطانته، وجعلهم من أمناء سره.

منهم الطبيب الماهر باي أحمد بن بابا عيسى، اتخذه الأمير طبيبه الخاص وكاتبه وأمين سره، وهو من آت مليشت، حضر مع الأمير في معاهدة التافنة. والحاج سليمان بن داود، كان ذا مال وجاه عريض في تيارت ونواحيها، وقد صادرت فرنسا كل أملاكه بسبب نشاطه في ثورة الأمير وإمدادها بالمال والسلاح، وهو من تجنينت. وحمو بن يحيى يدّر من تجار معسكر وأعيانها، وهو من آت يزجن، والحاج داود بن محمد أميني، كان أمين مال الأمير، وكان لغناه الشديد يطبع له عملة ذهبية، كما كان يصنع له السلاح بوادي مْزاب على نفقته الخاصة. ومنهم الحاج يوسف أميني، شقيق داود أميني كان أمين المال في المدية، ومحمد ابن صالح أميني كان أمين المال في الجلفة.

  • بنو مزاب على أسوار قسنطينة:

لقد دافع بنو مزاب عن قسنطينة دفاعا مستميتا، مما جعل القائد الفرنسي بعد سقوطها يرفع لهم قبعته تحية لبطولتهم، وقد اشترطوا بعد إيقاف إطلاق النار ألا يسلموا سلاحهم، وألا يدخل الجيش الفرنسي القسم الذي كانوا يدافعون عنه لنهب أو سلب أو انتهاك حرمات، مما جعل عائلات قسنطينة والبيوتات الكبيرة فيها يبعثون بكل نسائهم إلى تلك الأحياء، فأصبحت رحبة الجمال ملجأ لعائلات وجهاء المدينة ومن يرغب بالاحتماء ببني مْزاب مدة أيام الاستباحة الثلاثة.

ثم إن أحد أغنياء عائلات ( ابن لفقون ) في قسنطينة حبس أرضا له بقسنطينة على المزابيين، اعترافا بجميلهم في هذه الحادثة، فاتخذوها مقبرة لهم.

  • نجدة بني مزاب لوارجلان عام 1226 ﻫ– 1811 م:

قدم بنو جلاب (حكام تقرت) إلى وارجلان (مدينة قرب مْزاب)، بجيش جرار وسلكوا طريق الفساد والنهب والقتل، فتلقتهم جموعها وقابلتهم مقابلة الأبطال دفاعا عن وطنهم، وطلبوا النجدة من بني مْزاب، فجادوا بخيلهم ورجالهم، فحكموا سيوفهم في رقاب المعتدين، وقدموا الشيخ داود بن ابراهيم طباخ أمام دفاع، وكان ضمن هذه النجدة حوالي 800 مزابي رافعين لواء أبيض به رقعة من كساء الكعبة كتب عليه آية من القرآن.

ولما وصلوا وارجلان انضموا إلى إخوانهم ووقعت معارك قاسية دامت ثلاثة أيام بلياليها، أسفرت عن انهزام جيش الجلابيين الغازي.

عندما تبلغ الإباضية المزابيين أخبار عن مهاجمة عدو لهم، أو توقع خطر ينزل عليهم، فإنهم يتفقون على واحد منهم يبايعونه على أن يقودهم في معركة الدفاع، يسمى إماما للدفاع، فإذا انتهت المعارك ورجع العدو وأمنت البلاد بطلت البيعة والإمارة تلقائيا، ويصبح إمام الدفاع هذا فردا كسائر الناس.

قائمة المراجع للاستزادة في الموضوع:

  • الآغا بن عودة المزاري، طلوع سعد السعود في أخبار وهران والجزائر وإسبانيا وفرنسا إلى أواخر القرن التاسع عشر، تحقيق ودراسة د. يحي بوعزيزج1، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1990.
  • أبو اليقظان ابراهيم، ملحق السير، مخ.
  • بن بيحمان إبراهيم، مجموع قصائد الشيخ ورسائله (مخ)
  • بفايفر سيمون، مذكرات جزائرية عشية الاحتلال، ترجمة وتقديم وتعليق د. أبو العيد دودو، دار هومة، الجزائر، 1998.
  • جمعية التراث، معجم أعلام الإباضية، أعلام المغرب. دار الغرب الإسلامي، بيروت.
  • خوجة حمدان، المرآة، تعريب د. محمد العربي الزبيري، ANEP، الجزائر 2005.
  • رصيد مكتبة الشيخ عبد الرحمن حواش، ملف Occupation، رقم18 /1324، مجهول، رسالة من أحد أعيان المدية المزابيين إلى السلطات الفرنسية، (غير مؤرخة لكن يرجح أنها كتبت في أواخر الأربعينيات أو أوائل الخمسينيات من القرن ال19)، ورقتان.
  • مجهول، غزوات عروج وخير الدين، تحقيق نور الدين عبد القادر، الجزائر، 1934م.
  • وثيقة، نهاية صالح باي كما أثبتها أحد الكتاب القسنطينيين، نقلا عن د. ناصر الدين سعيدوني ورقات جزائرية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2000
  • وثيقة بتاريخ 1237 ﻫ / 1821م في دفتر محكمة المدية أواخر العهد العثماني 1821- 1839، نقلا عن د. أبو القاسم سعد الله، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، ج2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1990.
  • وثيقة نص معاهدة الحماية (29 افريل1853)
  • الوزان الحسن، وصف إفريقيا، ج 2.
  • ابن أشنهو (عبد الحميد بن أبي زيان)، دخول الأتراك العثمانيين للجزائر، الجزائر، بدون تاريخ.
  • ابن يعقوب سالم، تاريخ جربة.
  • بوحوش (د. عمار)، التاريخ السياسي للجزائر، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1997
  • بونار رابح، المغرب العربي تاريخه وثقافته، ط3، دار الهدى، الجزائر، 2000.
  • الجعبيري (د فرحات)، نظام العزَّابة في جربة.
  • الحاج سعيد (يوسف بن بكير)، تاريخ بني مزاب، المطبعة العربية، غرداية.
  • سعد الله (د. أبو القاسم)، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، ج2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1990.
  • سعد الله (د. أبو القاسم)، تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998.
  • سعيدوني (د. ناصر الدين)، النظام المالي للجزائر في الفترة العثمانية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1979.
  • ورقات جزائرية ط1 دار الغرب الإسلامي بيروت 2000.
  • النوري حمو عيسى: نبذة من حياة الميزابيين السياسية والعلمية، ج1، دار كروان، باريس.
  • فركوس صالح، تاريخ الجزائر من ما قبل التاريخ إلى غاية الاستقلال، دار العلوم للنشر والتوزيع، عنابة، 2005.
  • القرادي (الشيخ)، الشيخ القرادي حياته وآثاره، تقديم د. محمد ناصر، نشر جمعية النهضة.
  • المدني (أحمد توفيق)، حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا، ط3، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984م
  • كتاب الجزائر، المطبعة العربية، 1931.
  • محمد عثمان باشا.
  • مؤنس(د. حسن)، تاريخ المغرب وحضارته، ج 3، ط1، العصر الحديث للنشر والتوزيع، بيروت، 1992.
  •  Damas,Mœurs et coutumes d’Algérie, Hachette,1835. Haedo, Histoire des Rois.
  • . Ravenet, Une épisode de l’expédition de1541 contre Alger
  • .Revue africaine, 3&4ème trim. 1931

المصدر: موقع تادارت

شاركنا بتعليقك