إسهامات

إن للحب في العملية التربوية ضوابط، فاللين في موضعه ضروري، وموقف الحزم ضروري أيضا، إنما المنهي عنه هو الفظاظة وغلظة الفعل والشدة المنفرة للقلوب، لأنها لا تأتي بخير، وتؤدي إلى الانفضاض والبغض بدل القرب والتقويم.

فالتربية تخطيط وأداء وسلوك عن استجابة، تتم بمزيج من الحب والرفق والموقف الحازم، والمربي المتمكن الحكيم هو الذي يملك المقدرة على معرفة مواطن اللين ومواطن الحزم على قاعدة دائمة من الحب مع المتابعة والتوجيه المستمر.

وفيما يلي بعضا من الضوابط في منهج الحب في التربية النبوية من الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه الذين اعتنى بهم ووجههم، فكانوا جيلا متميزا، صاغ للعالم تاريخا مشرقا مشرِّفا.

  • الضابط الأول: الحب والبغض في الله (عدم قبول الشفاعة في حدٍّ من حدود الله)

المحبة كما ذكر الإمام الغزالي -رحمه الله- في إحيائه: "إيثار المحبوب على النفس" وقد استغرق قلب الرسول ﷺحب الله تعالى واستولى عليه، فكان هواه في رضا الله، وحب ما يحب ربه ويرضاه، إلا إذا انتهكت محارم الله، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر لله، وتكون كلمة الله هي العليا.

  • الضابط الثاني: الحزم في الحب

إن الحب عند الرسول ﷺ مظهر قوة وعطاء مديد، لا مظهر ضعف واستكانة وتقييد، وقد علمنا عليه الصلاة والسلام في مواقف نبوية تربوية كثير أن الحب لا يعني الضعف، بل إن القوة تكمن فيه، فلو فعل المحبوب أمرا استدعى فيه المراجعة في بعض المواقف، والوقوف عندها فإن من الرحمة به استخدام الحزم والإعراض عنه! واختيار العقوبة التي تناسب نوعية الخطأ دون تهويل أو تهوين، ليقوِّم ذلك من اعوجاجه، إذا لم يكن من ذلك بدّ لتحقيق الإصلاح، فذلك من مقتضى العدل وكمال العقل، فمن نماذج الحب مع الحزم في التربية النبوية، (الهجر الجميل: ويتجلى ذلك عندما طلبت منه بعض نسائه زيادة النفقة، وهن نساء النبي تابعات له في عيشه وتقشفه وتواضعه وزهده في هذه الفانية، لم يرق له ذلك بل وآذاه، فكان له ما كان من تصرف حكيم...).

  • الضابط الثالث: التوازن في الحب

العقل والعاطفة نافذتان يدخل منهما نور الهداية ويستقر في الوعي، وينقاد المرء لما يتجهان إليه، ويبصرانه به، وفي تكافلهما حفظ من الزلل، وفي مناجاتهما توافر لأسباب الرشد، وذلك هو التوازن بين العقل والعاطفة يمنحهما المربي، والذي يفضي إلى الحيطة في التوجيه، وحسن التربية، فمن مقومات التوازن بين العقل والمشاعر في الحب:

1. الحب بين التفريط والإفراط.

2. العدل في الحب.

3. الحب والحزن.

4. الحب والغيرة والغضب.

5. الحب والكره.

  • الضابط الرابع: الحفاظ على المودة والألفة

ورد من أحاديث الرسول ﷺ في السيرة النبوية آداب ووسائل للحفاظ على المودة والألفة، فللحب آداب، وعلى المتحابين مراعاتها لديمومة المحبة بينهما، وفقا لما جاء في المنهج التربوي النبوي، ومنها على سبيل المثال:

1. الحب والحقوق الفردية.

2. مراعاة الخصوصية الفردية في العلاقة مع المقربين.

تنويه:

في الكتاب (مصدر المقال) نماذج غنية ومتنوعة من الحب النبوي بصوره المختلفة وربطها بالواقع المعاصر، فهو كتاب تربوي أسري اجتماعي بامتياز، لذا ينصح الوالدين الاطلاع عليه وتشرب أفكاره، خاصة في الفصل الرابع الذي أشار إلى ضوابط الحب بشكل مفصل ودقيق.

-بتصرف-

المصدر:

- دراسة ماجستير: الحب في التربية النبوية، عائشة محمد سليمان النجار، 2012م، ص 248 – 286.

شاركنا بتعليقك