إسهامات

يهتم العزابة اهتماما كبيرا بعيد الزيارة فيشرفون على تنظيمه، وهو عبارة عن مهرجان شعبي كبير يلتئم بعد طلوع الشمس في مصلی الجنائز بالمقبرة لأداء صلاة الاستسقاء. تتجه بعدها مجموعات منتظمة يتولى العزابة وعرفاء المحاضر توجيهها بانتظام إلى زيارة جهات معينة، وتضم هذه المجموعات طلاب المحاضر الصغار والكبار بجانب الراغبين من الشباب والكبار، يزور هؤلاء أماكن ذات آثار تاريخية، ومقامات للمشايخ والأولياء الصالحين المستجابي الدعاء، ومقابر المسلمين، وأضرحة الشهداء، يطلق على هذه التظاهرة اسم " الزيارة " وتسمى في بعض القرى أحيانا بعيد الربيع أو عيد الزهور فهو العيد الوحيد الذي يحتفل به المزابیون بالإضافة إلى الأعياد الدينية والوطنية.

يعلن العزابة في المسجد على موعد عيد الزيارة قبل حلوله بنحو أسبوع تقريبا فيحرّضون المسلمين للقيام به، ويذكرونهم ببرنامجه اليومي، وفوائده، وأهدافه. يحدد موعده في أوائل الربيع بالاثنين الأول من أفريل كل سنة.

إن أسباب اختيار عيد الزيارة في أوائل الربيع يرجع حسب ما يصرح به المشايخ إلى الظروف الزراعية. فالنخيل الذي يعتبر أهم وأغلب أشجار واد مزاب وعمدة قوت سكانه منذ نشأة قراه يكون قد أبر في هذا الفصل، والزرع الذي يعتبر أهم عمدة أساسية في الغذاء، قد شرع يسبل، والأشجار قد بدأت تتفتح وتزهر، وفواكه الصیف قد شرعت في إظهار بواكيرها، فالمؤمن مطلوب منه أن يشكر الله على نعمه الظاهرة والباطنة ليبارك الله فيما أنعم، وليزيدهم من فضله، ﴿  لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ .

ولضمان استمرار هذه النعم، رأی العزابة ضرورة الابتهال الى الله ، والتضرع إليه ليرحم المسلمين بالمياه الكافية لفصل الربيع والصيف بصفة خاصة داعين الله حفظ المزروعات والغلال والفواكه والخضر لينميها ويحفظها من كل الجوائح والآفات والأمراض والجفاف، وتؤتي أكلها في موسمها لينتفع بها المسلمون ويدخروا منها ما يحتاجون إليه لضمان معيشتهم، فرغم تطور الحياة في السنين الأخيرة فإن عيد الزيارة ما زال يقام ويحرص على الاحتفال به، فهو مرتبط بالمجتمع الزراعي خاصة لما كانت الزراعة هي المورد الأساسي، والعمدة الرئيسية في الاقتصاد،

إن هذه التظاهرة قديمة بقدم المجتمع بحيث لم نعثر على تاريخ ابتدائها، وربما كانت من التحسينات التي أدخلها الشيخ عمي سعيد لما حل ﺑ"واد مزاب" في القرن التاسع الهجري و (الخامس عشر الميلادي) لكننا لا نستطيع أن نجزم بذلك لافتقارنا إلى الأدلة، والموضوع يحتاج إلى بحث وتقصي.

المصدر: كتاب "نظام العزابة ودوره في الحياة الاجتماعية والثقافية بواد مزاب"  صالح بن عمر اسماوي.

شاركنا بتعليقك