إسهامات

العيش في الزمان الصعب، يتطلب من المسلم أن يستنفر كل قواه الروحية والعقلية والجسمية والمهارية؛ حتى لا يهمش، أو يجد نفسه تابعا ذليلا لجهة ما، أو يجد نفسه كسيرة حسيرة، لا حول له ولا طول. إن الحياة العامة التي يعيشها السواد الأعظم من الناس ليست حياة سوية، حيث اختصر كثير من الأنشطة الروحية والأدبية، أو ألغي؛ مما جعل المجال الأكبر للتنافس بينهم هو "المال"، وما يتبعه من متاع الدنيا، وصار مما لا جدال فيه أن "المال" قد غدا محور الحياة الحديثة أكثر من أي وقت مضى؛ فعن طريقه يمكن الوصول إلى أي شيء، كما يمكن دفع أي شيء، وبه يمكن ستر أي شيء...

وهذه الوضعية الصعبة لا يصح تجاهلها، كما لا تصح مسايرتها على نحو مطلق، الرؤية الإسلامية العامة في مسألة المال والاقتصاد والكسب والاستثمار والإنفاق، رؤية تميل إلى التوازن والاعتدال، وهي رؤية مترابطة، تراعي مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة في آن واحد، كما تراعي حيثية كون الدنيا مزرعة للآخرة، وكونها دار ممر، لا دار مقر أيضا.

واختلف العلماء اختلافا واسعة في التفاضل بين الغني الشاكر والفقير الصابر، واستدل كل فريق بأدلة صحيحة على اختياره. والذي أراه أننا حين ننظر إلى المسألة على المستوى الفردي، فإن الأفضلية تتوقف على مسلك الغني ومسلك الفقير تجاه الحالة التي هو فيها، فالشكر ليس درجة واحدة، وهناك رذائل وانحرافات كثيرة تصاحب الوفرة، كما أن هناك رذائل وانحرافات كثيرة تصاحب الفقر والقلة.

أما على المستوى العام، فلا ينبغي أن يختلف في هذا الأمر، حيث إن هناك اعتبارات كثيرة، تجعل المقارنة بين الغني والفقر غير واردة، ففي زماننا خاصة، يستحيل تعليم الناس من غير مؤسسات ترعاها الدولة، كما يستحيل إيجاد نوع من التجانس الثقافي من غير مؤسسات إعلامية، كما يستحيل المحافظة على الاستقلال الوطني من غير جيش وسلاح...

كما أن هناك شرائح اجتماعية عديدة، تعيش في ظروف وأوضاع خاصة، كما هو الحال والشأن بالنسبة للأرامل والأيتام والمعوقين واللاجئين والباطلين عن العمل والمفلسين والغارمين، والذين تعرضوا لكوارث طارئة.... فحين يكون الفقر هو السمة العامة للدولة وللمجتمع، فإن كل ما ذكرناه من مؤسسات وفئات، سيكون في حالة صعبة، وأحيانا مأساوية، وسيختلف الأمر حين تكون المالية الوطنية جيدة، على ما هو ملموس في بعض الدول.

اوقد أدرك كثير من علماء السلف أن الفقر كان وسيلة إذلال لكثير من الناس، كما كان ذريعة لشراء بعض الذمم، ولذا فإن عددا غير قليل منهم حاولوا تحسين وضعهم المادي، وحثوا الناس على مثل ذلك.

وقال حماد بن زيد قال لي أيوب: "الزم سوقك، فإنك لاتزال كريما على إخوانك ما لم تحتج إليهم".

وقال سفيان الثوري: "كان المال فيما مضى يكره، فأما اليوم، فهو ترس المؤمن".

إن ظاهرة الفقر التي تلف معظم أقطار العالم الإسلامي، وكثيرا من أبنائه لم تدرس على نحو كاف، وهي ظاهرة متجذرة في التاريخ الإسلامي، وأظن أنه مما لا ينبغي أن يختلف فيه أن هذه الظاهرة المخيفة، تعود إلى الكسل وسوء التوزيع والظلم، والفساد الإداري من جهة، وإلى اختلاط بعض المفاهيم من جهة أخرى. وفي هذا السياق نجد على مدار التاريخ من المسلمين من يغلط في فهم بعض قضايا القضاء والقدر، ولاسيما مسألة الرزق، وأنه مقسوم ومكتوب، على ما هو معتقد أهل السنة والجماعة، حيث فهم كثير من المسلمين أنه مادام الرزق مكتوبا ومحددا، فلم العناء والكد، ولم التفكير والتخطيط...؟

-بتصرف-

المصدر: كتاب "العيش في الزمان الصعب"،  د. عبد الكريم بكار، صفحة 243-247.

شاركنا بتعليقك