إسهامات

ينكر الغرب أن تكون حضارتهم قد قامت على علوم المسلمين أو استفادت منها وهذا يدل على التعصب الأعمى والجهل لأن كل الحضارات استفادت من الحضارات التي سبقتها ولا يمكن أن تبدأ حضارة من الصفر.

فى بلاد الشرق قامت كثير من الحضارات السبئية والأشورية والبابلية والفينيقية والفرعونية وغيرها وكانت على صلة كبيرة بالحضارة الهندية والصينية في منطقة حية حافلة بمظاهر التطور الكبير الذي حققه التقاء الحضارات.

ويمكن القول أن العلوم والمعارف التي نمت وتطورت عبر مسيرة الحضارة البشرية يجب التعامل معها في أية مرحلة تبلغها على أنها تراث مشترك للإنسانية كلها.

ومن حق الأمم جميعا على اختلاف أجناسها وألوانها وثقافاتها أن تنعم بخيرات الازدهار الحضاري في أي عصر وأن تحصل المعرفة الجديدة من مظانها المختلفة أينما وجدت تماما مثلما أن من واجب الأمم جميعا أن تساهم في تطوير العلوم وإنتاج المعرفة وصنع التقدم والمدنية لكي تستمر مسيرة العلم والحضارة إلى ما شاء الله.

وهناك حقيقة علمية تتمثل في أن حضارات الشعوب على مدار التاريخ تمر صعودا وهبوطا ولها فترات ازدهار وفترات انحسار وفى فترة الازدهار تعطى وفى الأخرى تأخذ وللأسف هناك البعض من علماء أوروبا ينكرون ذلك ويحصرون التقدم في نطاق جنس بذاته أو حضارة بعينها.

قامت الحضارة الأوروبية على مخلفات الحضارة الإسلامية ونقلت علومها إلى بلادها ويجب أن نعرف أنه منذ سقوط الدولة الرومانية الغربية في أواخر القرن الخامس للميلاد غطت أوروبا في نوم عميق وصل إلى ألف عام كان نصفها الأول في عصر الآباء منذ القرن الخامس حتى العاشر.

وكان نصفها الثاني في عصر المدرسيين مما دفع مؤرخي الفكر إلى القول أن أوروبا حتى العصر المدرسي خاصة فيما بين عامي (1000/1300م) كانت بيئة غير صالحة لنشأة العلم، واختفت فيها كل المقومات المهمة من حياة الإنسان فتفشت فيها الأمية وقلت المدارس وعز الحصول على الكتب وانتشرت الفوضى في الجامعات وشاع فساد الأخلاق وقامت الحروب والأعمال الوحشية حتى الكتاب المقدس لم يكن يوجد خارج الأديرة ..

وكان القيام بنسخه يستغرق عاما ولذلك كان ثمنه باهظا ولا يقوى على اقتنائه إلا القلة القليلة لدرجة أن رجال الدين لم يكن أغلبهم يستطيع أن يحرز نسخة كاملة.

وقد اعترف بعض الأوروبيين بذلك مثل جوزيف رينو في كتابه «تاريخ غزوات العرب»، فقد تحدث عن أوضاع أوروبا في تلك الفترة ووصفها بأنها افترستها الفوضى وطحنتها المحن فهي غاصة في الفتن كقطع الليل البهيم ويذهب إلى نفس الرأي لوبون فيقول: ودامت همجية أوروبا زمنا طويلا من غير أن تشعر بها.

ولم يبدأ في أوروبا بعض الميل إلى العلم إلا في القرن الحادي عشر وفى القرن الثاني عشر من الميلاد وذلك حين ظهر فيها أناس رأوا أن يرفعوا أكفان الجهل الثقيل عنهم فولوا وجوههم شطر العرب المسلمين الذين كانوا أئمة وحدهم، ويصف المؤرخ الأوروبي ستانلي لين بول حضارة الأندلس الإسلامية فيقول: تظهر المقابلة جلية بين حضارة الأندلس وغيرها من المدن إذا ذكرنا أن أوروبا كلها في هذا العهد كانت غارقة في حمأة من الجهل وخشونة الأخلاق ثم يصف قرطبة فيقول: قرطبة العظيمة التي كانت أعجوبة العصور الوسطى والتي حملت وحدها في الغرب الثقافة والمدنية وهّاجة وقت أن كانت أوروبا غارقة في الجهالة البربرية فريسة للشقاق والحروب.

إن هذه الآراء فيها الردّ الوافي على أدعياء الجحود والغرور والعنصرية والإدعاء بتميّز حضارة عن حضارة أخرى أو دعوى أن هناك عنصرا أفضل من عنصر وهي قضية اكتوى بها البشر في فترات متباينة سواء ما يتردد صداه في هذه الفترة أو ما تبناه فريق من علماء أوروبا عندما أشاعوا مقولة التفريق بين الأجناس. وتفوق جنس على جنس أو وصف جنس بعدم القدرة على الابتكار وقاد هذه الحملة في التنكر لالتقاء الثقافات والحضارات بين الشعوب والتقليل بالذات من دور الحضارة العربية في الأندلس وفاعليتها في التأثير على أوروبا بعض المستشرقين في القرن التاسع عشر .

كما أصرّوا على أن الحضارة الأوروبية لا تدين بالفضل لغير أجدادهم من اليونان والرومان وادعوا أن العرب بطبيعتهم لم يخلقوا للتفكير الأصيل المبتكر وقاد حملة التعصب هذه مجموعة من مفكري القرن التاسع عشر أمثال جيليوم تنمان وفكتور كوزان وأرنست رينان 1892م.

 كانت جسر ثقافي ...... لكن هل هناك من يعترف بفضل الحضارة الإسلامية في الغرب؟ 

هناك كثيرون من علماء أوروبا في القرن العشرين كانت أحكامهم على الحضارة الإسلامية منصفة نذكر منهم موريس وولف وبيكافيه وغيرهما ممن أدخلوا في اعتبارهم ما انتهوا إليه من عناصر أصيلة مبتكرة من وحي العبقرية العربية وظهر هذا التحول في كتاب سلسلة التراث القديم والوسيط وفي مقدمتهم هذا الفريق الذي شارك في فصول "تراث الإسلام" ففي هذه السلسلة ربطوا في دراستهم بين تراث الماضي والحاضر وفى الربع الأخير من القرن العشرين قامت في جامعة أكسفورد حركة جيّدة ترمي إلى تسجيل تراث الثقافات القديمة فبدأت بثقافة اليونان والرومان وضمت إليها تراث اليهودية والإسلام ثم تابعت السير.

وأخرجت تراث الهند ومصر وفارس وفى هذه المحاولة جِدَّة وطرافة وتنسيق وبحث وتحقيق قام به نفر من المتخصصين وأبرزوا في هذا العمل العظيم ربط الثقافات بعضها ببعض وتم كشف التبادل بين الحضارات المختلفة وحَذَت جامعة هارفارد حذو جامعة أكسفورد.

وأوكلت إلى "جورج سارتون" كتابة تاريخ العلم منذ نشأته وحتى الآن وهناك مقولة منصفة لحقيقة التواصل الحضاري والاعتراف بأنها إسهام للأسرة الإنسانية مع تسفيه الرأي الذي يجعل أي علم من خلق مفكر واحد لم يسهم في إنشائه أحد قبله أو يجعل الحضارة، أية حضارة من صنع شعب واحد لم يسبقه إليها شعب آخر كما جاء عن جورج سارتون الذي قال: إن من الضلال أن يقال إن إقليدس هو أبو علم الهندسة وأن أبقراط هو أبو علم الطب فإن تاريخ العلم لا يعرف من الآباء الذين لم يولدوا إلا أبانا الذي في السموات.

ويندد بما ذهب إليه بعض المؤرخين الذين يرون أن التراث العقلي اليوناني خلق عبقري أصيل جاء على غير مثل سابق يسمونه "المعجزة اليونانية" فيسفه هذا الرأي ويعتبر أن المعجزة اليونانية المزعومة لها أب وأم شرعيان أما أبوها فهو تراث مصر القديمة وأما أمها فهي ذخيرة بلاد النهرين ثم يواصل جورج سارتون حديثه حول تواصل العلم والحضارات بين الأمم في كتابه عن تاريخ العلم قائلا: إنه عند شرح الثقافة العربية يكاد المرء أن يغفل الإضافات الهندسية في الرياضيات إلا أن إغفال المنجزات الإسلامية يؤدى إلى إفساد الأمر برمته ويجعله عملا سخيفا يفتقر إلى الذكاء، ولقد وقف المسلمون على أكتاف سابقيهم من الإغريق تماما كما وقف الأميركيون على أكتاف الأوروبيين.

ولقد كانت اللغة العربية هي اللغة الدولية في الرياضيات لدرجة لم تضاهها فيها لغة أخرى سوى الإغريقية واللاتينية فكانت الثقافة العربية، ولا تزال إلى حد ما الجسر الرئيسي الذي يربط الشرق والغرب. فبينما كانت الثقافة اللاتينية غربية والثقافة الصينية شرقية كانت الثقافة العربية شرقية وغربية في آن واحد، حيث امتدت بين مسيحية الغرب وبوذية الشرق ومست كلتيهما.

أهم آثار الحضارة الإسلامية على الغرب

لولا الحضارة الإسلامية لما وُجدت الحضارة الغربية ولما حققت المنجزات التي حققتها في الوقت الحاضر وهذا أيضا يعترف به عديد من مفكري وعلماء الغرب مثل البروفيسور "كويلر يونج" الذي يحرص في دراساته على أن يُذكِّر المسيحيين في أوروبا المعاصرة بالدين الثقافي العظيم الذي يدينون به للإسلام منذ أن كان أجدادهم في العصور الوسطى يسافرون إلى حواضر الإسلام في اسبانيا العربية خاصة ليتلقوا على أيدي معلميها من المسلمين الفنون والعلوم وفلسفة الحياة ويعترف بعض علماء الغرب بحقيقة تواصل الحضارات. وأنه لا يوجد من يعتبر نفسه باني الحضارات التي انفرد بها عن السابقين عليه وأن العرب قد تسلموا القبس من بُناة الحضارات القديمة منذ منتصف القرن الثامن الميلادي وقد بقيت في يدهم بضعة قرون من الزمان يضيئون بنورها حياتهم وحياة من اتصل بهم أو عاش في ظلهم ولقد تواصلت الحضارة الإسلامية مع الآخر من منطلق أنها تقوم في الأساس على الوحدة الدينية الحقيقية بين الديانات السماوية الثلاث.

-بتصرف-

المصدر: موقع مجلة البيان

شاركنا بتعليقك