إسهامات

واجه مجتمع الواحة المشكلة نفسها التي تواجهها كل المجتمعات الحية التي تعتمد في غذائها على عدد محدود من النباتات المغذية: كيف السبيل إلى توفير غذاء طيلة السنة مع وجود نباتات لا تنتج إلا غلة واحدة في العام؟

لقد وجد الجزء الأكبر من الجواب في مرونة النباتات التي انتقيت حسب الحاجة وحسب الضغوط.

الاختيار الجماعي.. في البداية كان خلط

تتكاثر النخلة وفق نمطين:

  • نباتي بإرسال فسائل أسفل الجذع يمكن فصلها عن أمها وغرسها.
  • وشقِّي بإنتاش نواة تمر.

إن التكاثر بالفسيلة يعطى نخيلا شبيها بأمها، وهو بالتالي لا يعطي تنوعا، ويستعمل لتكثير أصناف متفق عليها ذات خصائص معروفة ومطلوبة. في هذه الحالة يرتكز الانتقاء بكل بساطة على اختيار فسائل فصلت عن أصناف سليمة وقوية للحصول على كامل الخصائص الأصلية.

كان لا يقام -خلال أمد طويل- إلا بهذا النوع من التكاثر بين قريب وآخر، لأنه كان ينبغي أن تبقى الفسيلة حية أثناء السفر، أما الواحات الأشد بعدا فكانت مرغمة على تطوير انتقاءها الخاص بها، وهو ما أدى إلى تنوع النخلة الرائع الذي نعرفه اليوم.

يعطي التكاثر بالنواة فسائل ورثت خصائص من أصولها الذكرية والأنثوية، نظمت بطريقة عشوائية وفق الصدفة التي يأتي بها التأبير، أي من خلال التقاء حبة طلع وبويضة من بين ملايين حبات الطلع والبويضات. ينتج التكاثر بالنواة تنوعا كبيرا، وقلما تشبه الفسيلة الجديدة أمها، ونحن نميزه باسم "خلط" أو "أغمّا" أي نتيجة خليط.

ثم يأتي بعد ذلك الاتفاق الجماعي..

في المجتمع الواحاتي القديم كانت القاعدة تنص على أن يترك الخلط ينمو ما دام أنه لا يعيق إذ لا يمكن التكهن بخصائصه، وبعد خمس سنوات من الانتظار يمكن معرفة إن كان فحالة (ذكر) أو نخلة:

  • فإذا كان ذكرا وُهب أو طُرح، ونادرا ما يُحتفظ به من أجل التأبير. وفي هذه الحالة يتابع خمس سنوات أخر حتى نتأكد من قدرته على إنتاج غبار الطلع كمية ونوعية، ولما يكبر يكشف إلى أي من الأصناف يمت بصلة مورفولوجيا. لقد لاحظت أن الفحاحيل التي لها ملامح مشتركة مع أصناف اغس أوتشيضن (الغرس و"أوتقبالا" و"تمجوهرت" و"أوكسبا") تعطي عذوقا كبيرة بأزهار ذات حجم جيد وغبار طلع خصب.
  • أما إذا كان الخلط أنثى تتابعت العناية به، وستبدأ النخلة في الإنتاج في حدود عامها الثامن، ولكن متابعتها تستمر لأربع سنوات إلى سبع حتى تصير بالغة للتأكد من خصائصها. في مرحلة الفتوة قد يضطرب الحكم الصادر في حقها بسبب سنة ذات طقس استثنائي أو حوادث إنبات سببها تصرف أسيئ التحكم فيه أو تأبير غير مثمر (ترتفع نسبة سقوط الأزهار الأنثوية أكثر في المرحلة الفتية).

سيمتد الانتظار إذن اثنتي عشرة سنة إلى خمس عشرة لتقويم قدرات خلط ما، ثم تُزال بعد ذلك النخلة أو يحتفظ بها لأنها تنتج تمرا ذا قيمة متوسطة يجد من يستهلكه ولو كان لا يملك خصائص فريدة. ولا يتميز من بين آلاف الأخلاط إلا البعض الذين يصبحون أصنافا قائمة بذاتها، فالخلط يصبح صنفا إذا تواضع عليه مجموع السكان، وإن كثيرا من المزارعين يجدون له خصائص ويشرعون في الإكثار منه، ثم يصبح ملكية جماعية في متناول جميع فلاحي الواحة.

إن الانتقاء إذن مسار جماعي، وعموم السكان هو الذي يقرر عبر طلب على أوسع نطاق إن كان خلط يستحق أن يتغير وضعه ليكون صنفا. إن الأمر يدل على شهامة نفس وكرم ورغبة في الإسهام في مصلحة الجماعة لقبول الاعتناء على مدى سنوات عديدة بنبات ذي خصائص مستقبلية يكتنفها الشك والاحتمال، وثمن الانتقاء يتقاسمه الجميع، قال القدماء: "ينبغي رعاية ثلاثمائة خلط لاكتشاف واحد يفوق أصوله"، وكانت رغبة كل مزارع أن يملك نخلا أصله نوى رجاء أن يكتشف أصنافا جديدة مما يعود بالفائدة عليه وعلى إخوانه من السكان.

يُتبع ... "معايير انتقاء أصناف التمر الجديدة".

-بتصرف-

المصدر: كتاب نخلة التمر، يوميات يرويها عاذق، صفحة 94، 95.

شاركنا بتعليقك