إسهامات

الخلوة والجلوس مع النفس في حجرة لوحدك بين الحين والآخر، هي دليل على قوة الإرادة، والرغبة في البحث عن آفاق جديدة للذات، أو تصحيح مسارها، فالخلوة مع النفس هي حاجة ضرورية للفرد، تُعِينه على معرفة ذاته والشفاء من أدوائها، ثم إن البحث عن السكينة ومراجعة النفس وتهذيب السلوك، كلُّها حوافز تحرك في الإنسان الرغبة في العزلة والابتعاد عن الناس.

تنقدح الأفكار وتتجلى الحقائق، عندما تختمر تحت رداء الخلوة، بعيدًا عن الأضواء والغوغاء: ﴿قُل إنَّما أعظُكم بواحدةٍ أن تقومُوا لِلَّهِ مَثنَىٰ وفُرَادَىٰ ثمَّ تتفكَّرُوا سبأ: 46. وليس بعيدًا عن ظلال هذه الآية، قول ابن عطاء الله السكندري: "ادفن وُجودك في أرض الخمول. فما نَبت ممّا لم يُدفن لا يتمُّ نتاجه" وهذا لا يعنى الهروب من تكاليف الحياة والمجتمع؛ وإنما يعني الذهاب بعيدًا عن الأضواء والمظاهر، كما تذهب البذور وجذورها تحت الأرض، فيَنبت زرعها وثمرها خلافًا للبذور، التي تبقى فوق الأرض عقيمة تحرقها أشعّة الشمس.

الخلوة هي ركن من البناء الروحي، الذي يرتقي بالإنسان واستعداداته الروحانية، وهي تقترن عادة بتجربة روحية فردية، يرتقي فيها الإنسان إلى ذروة الشوق إلى الله، كما جاء في حديث السبعة الذين يُظلُّهم الله بظلِّه يوم القيامة: "ورجُلٌ ذَكَرَ اللَّه خاليًا ففاضَتْ عيناهُ" (البخاري).

الخلوة سُنّة الأنبياء عليهم السلام، والخلوة تَسبق الوحي والنبوة. ففي الخلوة تلقَّى آدم من ربه كلمات، وفيها جَنّ على إبراهيم اللَّيلُ ورأى ملكوت السماوات والأرض، وفيها تلقَّى موسى الألواح من الله، بعد أربعين ليلة قضاها في خلوته بعيدًا عن بني إسرائيل، وفي محراب بيت المقدس، كانت مريم عليها السلام تعيش أجمل أيام خلوتها: ﴿كلَّما دخل عليها زكريَّا المحرابَ وَجَدَ عندها رزقًا قال يا مريمُ أنَّىٰ لكِ هذا قالت هو من عند اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرزُقُ من يشاءُ بغيْرِ حِسَابٍ آل عمران: 37.

في الخلوة، تلقَّى أيضًا المصطفى كلمات الوحي الأولى في غار حِراء، بعد أن "حبِّبَ إِلَيهِ الخلاءُ وكانَ يَخلُو بغارِ حرَاءٍ، فيتحنَّثُ فيهِ وهو التَّعبُّدُ اللَّياليَ ذواتِ العددِ قبلَ أن ينزعَ إلى أهلِهِ ويتزوَّدُ لذلكَ، ثمَّ يرجعُ إلى خديجةَ فيتزوَّدُ لمثلهَا حتَّى جاءهُ الحَقُّ وهُوَ فِي غارِ حِرَاءٍ.." (البخاري).

في نهاية المطاف، ليست العزلة غاية في حدِّ ذاتها؛ وإنما هي محطة يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ليتأمل مسيرته بعيدًا عن ضوضاء المجتمع، فهي هنا أشبَهُ بواحات الصحراء التي يقصدها المسافر، لطلب الزاد واستجماع طاقاته، ثم مواصلة العودة والارتحال إلى أهله وبلاده.

-بتصرف-

المصدر:

- موقع "تعدّديّة".

شاركنا بتعليقك