إسهامات

بالأمس كنا نرقب هلاله ونستبشر اقترابه، نتفيأ ظلاله، ولنستمطر رحماته، نرجو من الله فيه الغفران، ونسأله العتق من النيران، بلهفة المشتاقين وبشوق المحبين ننتظر نهاره، ونترقب ليله، لننتصب له قياما، ونخلو بالرحمن مع آياته، نبتهل له بالذلة والخشوع والخضوع، نجأر له بالدعاء، ونناجيه بالهمسات، نسكب له العبرات، لنغسل الحوبات ونهذب الأجسام، ونؤدب الجوارح، ولنقهر تغول النفس بالجوع والحرمان، نجلو عن القلوب الران، وعن النفوس صدأها، ولنهرب ونهرع لله من ذواتنا المقصرة، ومن استعلاء النفس المتكبرة التي ما زالت تسوف وتماطل.

فإذا الذي كنا نرقبه يوما، يلملم ساعاته ودقائقه الأخيرة، ويتجهز لمغادرتنا بل لفراقنا، دون أن يأذن لنا بوداع يليق بمقامه، إذ هو هبة الرحمن لنا وكرم فيضه علينا، وكما كانت حفاوة الاستقبال وجب أن يكون الوداع محملا بالعطايا الإلهية والقربات الربانية، حتى تغمرنا سعادة القبول ونشوة العتق من النيران. يفارقنا رمضان وقد شهدت أيامه ولياليه صدقات المنفقين، وأنات التائبين العائدين الى الله، ودمعات الخاشعين المتبّلين المنيبين، والمستغفرين بالأسحار في المساجد والخلوات، يُلِحون ويناجون الرحمن بالقربات بخضوع العارفين بالله وطمع المذنبين بالعفو والغفران.

يفارقنا رمضان ويهيج في النفوس الأحزان على ألم الفراق لانقطاع النفحات الإيمانية والنسمات الربانية، دون أن نعلم من هم المقبولين كما المطرودين، بعد أن كنا جميعنا في مضمار السباق إليه في ثلاثين محطة من محطات السباق -أياما معدودات-، يتزود منها المرء بما يحقق له الفوز والانتصار والوصول إلى الله عز وجل، بأفضل ما يتعبد به الله من الصلاة والصيام والتهجد والقيام وتلاوة القرآن والصدقة والزكاة كما الجهاد والرباط في سبيل الله، وكلما كان التزود أعلى وأكبر كانت سرعة الوصول والقربى من الله أشد.

خرج عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- في يوم عيد فطر فقال في خطبته: "أيها الناس إنكم صمتم ثلاثين يوما، وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم"، وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: "يا ليت شعري من هذا المقبول فنُهنيه ومن هذا المحروم فنعزيه"، وأي تعزية هذه التي تخفف مصاب الحرمان وتجبر مصيبة المقصر المطرود، بعد أن أضاع فرصة الدهر وليلة القدر، بعد أضاع ليالي رمضان باللهو والباطل الذي يجرح ويفسد الصيام، أضاع الفرائض ونام عن الغنائم وتخلف عن ركب المتهجدين.

وعلى النقيض كان الفوز لمن صلى وصام وأطال القيام، وتبتل إلى الله في المحاريب، فهنيئا لمن هان عليه ماله فتصدق بصدقة فأخفاها، هنيئا لمن حبس نفسه على الطاعة وأشغلها بذكر الله، هنيئا لمن تجرد لله وتخفف من دنياه وتعلق بما عند الله وما بقي في قلبه غيره، هنيئا للتاليين الذاكرين، الراكعين الساجدين، الدامعين الخاشعين، هنيئا لمن وافقته ليلة القدر فكان الفوز معظما، هنيئا لمن حجز له مدخلا من باب الريان أو باب الصدقة أو باب الصلاة، أو من خيّره الله الدخول من أي باب شاء، هنيئا لمن غسل وذرف الدمع على نفسه المقصرة، لمن تاب وأناب وأقسم على أن لا يعود لذنبه، هنيئا لمن كتبه الله في صحائف الفائزين المقبولين وكان من عتقاء رمضان.

وبعد انتهاء رمضان لا بد من وقفة، فالمؤمن الصادق الفائز العاقل الذي طاعته تستديم، والطاعة عنده تتبعها طاعة، ورمضان عنده لا ينتهي ولا ينقطع مع هلال شوال ولا يتغير مع تغير الأسماء، بل رمضان عنده منصة انطلاق لباقي شهور ومواسم العام الذي لا ينقطع فضلة ولا ينقص خيره، فالطاعة عنده ولود، وكلما قبِل الله منه وفقه للطاعة بعد الطاعة، فيكمل صيام الدهر، ويعيش مع أثر رمضان من القيام والصلاة وصلة الأرحام، والجاهل الظالم لنفسه الذي ينتكس بعد رمضان، ويرجع للّحظة التي سبقت رمضان من التقصير في جنب الله واقتراف الذنوب والآثام وأن يعود إلى سابق عهده من هجر للقرآن تاركا لورده من الأذكار متخلفا عن صلاة الجماعة، فمثله كمثل المرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، فليس له إلا الجوع والعطش.

المصدر: موقع مدونات الجزيرة

شاركنا بتعليقك