يا هل ترى ما هي الحكمة التي تعلمناها من قصة كسرى والفلاح الشيخ في قوله (غرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون) عندما رآه الملك يغرس الزيتون وهو شيخ هرم!!، ما الحكمة في أن يزرع من بيده فسيلة حتى وإن قامت الساعة!!.
إن الله تعالى أمرنا بالعمل ولم يأمرنا بانتظار النتائج ففي الحديث عن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها فله بذلك أجر". فيا عجبا كيف يفكر هذا الشيخ؟، وعجبا من سيستفيد من هذه الفسيلة والساعة ستقوم؟
إن في هذه القصة وفي هذا الحديث ترغيبا عظيما على اغتنام آخر فرصة من الحياة في سبيل زرع ما ينتفع به الناس بعد موت المرء فيجري له أجره وتكتب له صدقته إلى يوم القيامة، إنها رسالة ومسؤولية وعبادة، إنه العمل والمهم أن يكون العمل حسناً جميلا، ولا يكون جماله إلا إذا كان موافقا لشرع الله بنية صحيحة.
لكن كثيرا ما يقف حجر عثرة في طريق العاملين تفكيرهم في عدم الجدوى من العمل أو الإحباط أو الخوف من الفشل أو عدم تقدير العمل والاستخفاف به.
إنه لا شك لجميل أن يرى صاحب العمل ثمرة عمله لكن ليس من الضروري رؤيتها إن كان العمل جميلا أو يكفي أن تكون محاولة أو بداية فهي أفضل بكثير من اللاعمل وعدم المحاولة.
ولنتذكر دائما كلمة ونرددها كثيرا عند أي عمل جميل مهما كان ومهما كانت ثمرته بسيطة في نظر صاحبها أو في نظر الغير؛ لنتذكر فليغرسها.
التخطيط للعمل مطلوب والموازنة بين العمل والجهد المبذول وبين الثمرة المرجوة شيء رائع جدا لكن الحديث حول انتظار الثمرة لا عن حجم الثمرة.
لكن وللأسف كثيراً ما تنشأ في أطرنا مجموعات لا تجيد العمل ولا تملك إلا أن تدّعي القدرة على العمل ولكنها لا تريد، ولا يصعب عليها تبرير ذلك بما لا يعد ولا يحصى من المبررات.
وهناك نوعية عجيبة تلك التي لا تريد ولا تقدر أن تعمل وفي نفس الوقت لا تريد لغيرها أن يعمل فتراهم يجلسون متربصين جاهزين للعرقلة والتخريب والانتقاد ومحاولة إفشال كل عمل بكل وسيلة فليس في هذا المقام وسائل دون وسائل فهي حربهم على العاملين وكل شيء مشروع ومباح ومتاح، ألا يندرج مثل هؤلاء تحت راية الذين لا يرحمون ولا يريدون لرحمة ربهم أن تنزل والذين إذا ما فشلوا في إفشال أي مشروع وعمل فهم لا محالة يمرضون!
والذين إذا ما رأوا نجاحاً قد أفلت من بين أنيابهم ومخالبهم فهم حتماً سيغمى عليهم!
هذه المجموعات وعلى الغالب هي اتحاد للفاشلين الذين يعرفون في قرارة أنفسهم ذلك ويجتمعون ليشكلوا قوة ليحموا أنفسهم وليس ذلك وحسب إنما ينتقلون بسرعة إلى طور الخروج من الشرنقة لتصبح الدودة فيما بعد فراشة وتبدأ تستشعر جدارتها وتطالب بالمناصب والحقوق والامتيازات.
فكيف وماذا سيغرسون للأجيال القادمة؟، وهل سيكون من بينهم من يتوقع وهم على حالهم أن يكونوا من حملة الفسائل ويهموا بغرسها ويحتاروا في أمرهم فالساعة آتية لا ريب فيها وهم لا يأبهون!
وإلى كل العاملين أصحاب الضمائر الحية وحملة الرسالة أقول انه لربما أو على الغالب طموحاتكم لن تتحقق وأحلامكم ستتبدد في ظل ما نعيش لكن لا تكونوا من المحبطين ولا تجعلوا لليأس في قلوبكم مكاناً من سوء التقييم والتقدير فميزان العدل والحق في السماء وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون وثابروا وأكملوا واحملوا الراية خفاقة ولا تكترثوا بما تلاقون، وأدوا رسالتكم بإخلاص وتفانٍ وإتقان وأمانة وأجركم عند الله تحتسبون ورغم كل شيء ظلوا في وجه الظلم والقهر والاستبداد والإجحاف صامدين ولابد للشمس أن تشرق والظلمة أن تنجلي والظلم أن يندحر ويا جبل ما يهزك ريح!!
ولابد من تذكر ومعرفة وفهم قول الله عز وجل ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ سورة الكهف آية 30 وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ سورة الأنعام آية 132، وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ سورة الأحقاف آية 19، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سورة التوبة آية 105.
وطوبى للعاملين.
-بتصرف-
المصدر: موقع صحيفة بانوراما
شاركنا بتعليقك