إسهامات

بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ سورة ص، وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا سورة الإسراء. داوود عليه الصلاة والسلام هو من الأنبياء والرسل الكرام، وقد ءاتاه الله تعالى النبوة والمُلك وجعله رسولًا إلى بني إسرائيل، وهو مسلم كسائر الأنبياء. وقد ورد اسمُ داوود عليه الصلاة والسلام في القرءان الكريم في ستة عشر موضعًا.

دعوة نبي الله داوود عليه الصلاة والسلام

بلغ داوود عليه الصلاة والسلام من العمر أربعين سنة فآتاه الله تعالى النبوة مع الملك وجعله رسولًا إلى بني إسرائيل، فدعا داوود عليه الصلاة والسلام قومه بني إسرائيل إلى تطبيق الشريعة التي أنزلت عليه وهي شريعة التوراة المبنية على الإسلام، والإيمان بأنه رب هذا العالم كله وأنه الذي خلقه وأبدعه وأنه لا أحد يستحق العبادة إلا الله تعالى وحده، وأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه داوود عليه الصلاة والسلام الزبور وفيه مواعظ وعِبر ورقائق وأذكار، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ولقد فضَّلنا بعضَ النَّبيِّنَ على بعضٍ وآتينا داوودَ زبورًا سورة الإسراء، وقال تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء سورة البقرة.

فضائل داوود عليه الصلاة والسلام وشمائله ودلائل نبوته وكثرة عبادته لله تعالى

أعطى الله تبارك وتعالى عبده داوود عليه الصلاة والسلام فضلًا كبيرًا وحَباه من لدنه خيرًا عظيمًا، فقد كان داوود عليه الصلاة والسلام حسن الصوت وكان عندما يصدح بصوته الجميل فيسبّح الله تعالى ويحمُده تسبح معه الجبال والطير يقول الله تعالى: ﴿ولقد ءاتيْنا داوودَ مِنَّا فضلًا يا جبالُ أَوِّبي معهُ والطَّيرُ وأَلَنَّا لهُ الحديدَ سورة سبأ، ويقول تعالى: ﴿وسَخَّرنا معَ داوودَ الجِبالَ يُسَبِّحنَ والطيرَ وكُنَّا فاعلين سورة الأنبياء، وكان داوود عليه الصلاة والسلام إذا قرأ الزبور وما فيه من رقائق وأذكار تكف الطيرُ عن الطيران وتقف على الأغصان والأشجار لتسمع صوته النديّ العذب وتسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه، وكذلك الجبال تُردد معه في العشي والإبكار تجيبُه وتسبح الله معه كلما سبح بكرة وعشيا وتعكف الجن والإنس والطير والدواب على صوته، يقول الله عز وجل: ﴿إنَّا سخَّرنا الجبالَ معهُ يُسَبِّحنَ بالعِشيِّ والإشراق والطيرَ مَحْشورةً كلٌّ بهُ أوَّابٌ سورة ص، وكان مع ذلك الصوت الرخيم سريع القراءة مع التدبر والتخشع فكان صلوات الله وسلامه عليه يأمر أن تسرج دابته فيقرأ الزبور كلَّه قبل أن تسرج، روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خُفف على داوود (عليه السلام) القرءان فكان يأمر بدوابه فتسرج فيقرأ القرءان قبل أن تُسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده".

والمراد بالقرآن في هذا الحديث الزبور الذي أنزله الله تعالى عليه وأوحاه إليه. ولقد ورد أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم وقف يومًا يستمع إلى صوت الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري وكان يقرأ القرءان بصوته العذب الحنون، فقال عليه الصلاة والسلام: "لقد أعطيت مزمارًا من مزامير ءال داوود"، فقال يا رسول الله أكنت تستمع لقراءتي، قال: "نعم"، فقال: "لو علمتُ أنك تستمع لحبرته لك تحبيرًا، أي لجملته تجميلًا". تنبيه: معنى مزمار داوود صوته الجميل الذي كان يقرأ به التوراة، وليس المزمار المعروف المحرّم.

وكان نبي الله داوود عليه الصلاة والسلام مع هذه العظمة والمُلك والجاه الذي تفضل الله به عليه كثير العبادة لله سبحانه وتعالى ليلًا ونهارًا، فقد كان صلوات الله وسلامه عليه يقوم الليل ويصوم في النهار ويقضي جزءًا كبيرًا من يومه في عبادة الله عز وجل، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿واذكُر عبدَنا داوودَ ذا الأيدِ إنَّهُ أوَّابٌ سورة ص، ومعنى "ذا الأيد" أي ذا القوة في العبادة والعمل الصالح، فكان داوود عليه السلام ذا قوة عالية في عبادة الله وطاعته وعمل الصالحات إنه أوّاب مطيع لله.

قصة الخصمين مع داوود عليه السلام ورد الفرية العظيمة على داوود في هذه القصة

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ سورة ص.

ليعلم أن بعض المفسرين أورد في تفسير هذه الآيات في قصة الخصمين مع نبي الله داوود عليه السلام قصصًا إسرائيليات لا تليق بني الله داوود الذي خصه الله تعالى بنبوته وأكرمه برسالته، لأنّ الأنبياء جميعهم تجب لهم العصمة من الكفر والرذائل وكبائر الذنوب وصغائر الخسة كما تقدم، لذلك لا يجوز الاعتماد على مثل هذه القصص المنسوبة للأنبياء ولا يجوز اعتقادها لأنها تنافي العصمة الواجبة لهم، لذلك ينبغي الاقتصار في فهم قصة الخصمين مع داوود عليه السلام على ظاهر ما أوردها الله تعالى في القرآن.

فقد جاء في تفسيرها أن ذينك الخصمين كانا في الحقيقة من البشر من بني آدم بلا شك وأنهما كانا مشتركين في نعاج من الغنم على الحقيقة، وأنه بغى أحدهما على الآخر وظلمه على ما نصّت الآية، وقد تسور هذان الخصمان محراب داوود عليه السلام وهو أشرف مكان في داره، وكان داوود عليه السلام مستغرقًا في عبادة ربه في ذلك المحراب فلم يشعر داوود عليه الصلاة والسلام بالشخصين إلا وهما أمامه فلما قال لهما: من أدخلكما عليّ، طمأناه وقالا له: لا تخف، ثم سألاه أن يحكم في شأنهما وقضيتهما إلى آخر القصة التي نص الله تعالى عليها في القرآن.

وقد امتحن الله تعالى نبيه داوود عليه السلام في هذه الحادثة التي جرت معه مع هذين الخصمين، وأما استغفاره عليه الصلاة والسلام فلأجل الذنب الصغير الذي وقع فيه وهو أنه تعجل بالحكم على الخصم الآخر قبل التثبيت في الدعوى، وكان يجب عليه لما سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عما عنده فيها ولا يقضي عليه بالحكم قبل سؤاله، وقد تاب داوود عليه السلام من ذلك الذنب الذي ليس فيه خسة ولا دناءة وغفر الله تعالى له هذا الذنب بنص القرءان الكريم قال الله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ سورة ص.

-بتصرف-

المصدر: موقع إسلام.

شاركنا بتعليقك