إسهامات

" .. إن مهنة الصيدلي، أو مهنة طباع، فرائض على المجتمع الإسلامي كالصلاة والصيام سواء بسواء، غاية ما هناك من فرق أن الصلاة والصيام لا يتخلف عن أدائها أحد، أما فروض الكفاية فيختار لها من يصلح لها. ومن لم يصلح لحرفة معينة صلح لغيرها، وكلف بالقيام بها..."

".. للصلاة سنن وأرکان ینبغي أن یستجمعها المصلي، فإذا تمت کانت صلاته صحيحة، ولکنها لا تبلغ درجة الإحسان إلا إذا تألق في حرکاتها وسکناتها روح الخشوع، واطمئنان البصيرة إلى الله، وخلوص القلب في حضرته.

قیادة السیارة لها تعالیم وشروط، والقدرة علی القیادة تشِیع بین خلق کثیر، ولكن البراعة التي تدفع صاحبها إلى الأمام في ميادين السباق لا تُتاح إلا لنفر قليل.

إن الإحسان ليس علما عاديا ولا عملا عاديا، إنما هو الغاية البعيدة، الذي تبلغ الأشياء فيه تمامها، وتزهى فيه بجودتها ونقائها.

 والمسلم مخاطب بطلب هذه المنزلة في كل ما يمس من عمل.

العادات، والعبادات في ذوقه وفقهه سواء، إذ العادات بمجرد اقترانها بنية الخير تتحول إلى عبادات.

ولا يفرق بين الأمرين إلا أن لهذه صورا انفرد الشرع برسمها، أما تلك فهي متروكة لعلم الناس وتجربتهم على مر العصور.

حدد الشرع أعداد الصلوات وهيئاتها، ولم يحدد طرق الزراعة وأنواع المزروعات، وجعل هذه فرض عين وتلك فرض كفاية.

ومجموعة الأعمال التي يتحرك بها جهاز الأمة في كل مجال، تختار لها المواهب الصالحة ويعد لها الأكفاء من كل بيئة، وذلك لضمان الإحسان المكتوب على كل شيء.

* * *

وفي أثناء العناية بالأجيال الناشئة، وتنمية مواهبها الفطرية يقوى في كل واحد من الخلق ما امتاز به، ويبرز فيه على أقرانه الذين لم تهيئهم الأقدار على غراره، فلا یأتي زمان التعقل حتی ینضج فیه ما اختص به من ملکات، فهذا یطلب العلوم، وهذا يعشق الآداب، وهذا يتجه لبعض المهن، وهذا يهوى الرياضة والفروسية، وهذا يحب الكفاح والجلاد، وهذا ينشد التقدم والرياسة ...إلخ.

فالغني الذي بلغ له مال كثير و نفسه لا تسامح ببدل شيء منه، فصدقته وإيثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة، والشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته: وقوفه في الصف ساعة، وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع.

والعالم الذي قد عرف السنة، والحلال والحرام، وطرق الخير والشر، مخالطته للناس و تعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح.

وولي الأمر الذي قد نصبه الله للحُكم بين عباده، جلوسه ساعة للنظر في المظالم، وإنصاف المظلوم من الظالم، وإقامة الحدود، ونصر المحق، وقمع المبطل أفضل من عبادة سنين من غيره.

و من غلبت عليه  شهوة النساء، فصومه له أنفع و أفضل من دكر غيره وصدقته.

وتأمل تولية النبي (ص) لعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وغيرهما من أمرائه وعماله، وترك تولية أبي ذر، بل قال له: إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، وأمره وغيره بالصيام، وقال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له. و أمر آخر بأن لا يغضب و أمر ثالثا بأن لا يزال لسانه رطبا من ذكر الله.

وهذا كالمريض الذي يشكو وجع البطن مثلا إذا استعمل دواء ذلك الداء انتفع به، وإذا استعمل دواء وجع الرأس لم يصادف داءه.

وكذلك داء اتباع الهوى والإعجاب بالنفس لا يلائمه كثرة قراءة القرآن واستفراغ الوسع في العلم والذكر والزهد، وإنما يزيله إخراجه من القلب بضده.

ولو قيل: أيهما أفضل، الخبز أو الماء؟ لكان الجواب: أن هذا في موضعه أفضل، وهذا في موضعه أفضل. كذلك فنون العبادات.."

-بتصرف-

المصدر : كتاب "الجانب العاطفي من الاسلام" محمد الغزالي  ص 61 - 67.

شاركنا بتعليقك