إسهامات

لقد أثرت قساوة الطبيعة الصحراوية الصخرية إيجابا على سلوك المزابيين، فصار العمل عندهم، قيمة تلازمهم طول الحياة، فعلى كل فرد في المجتمع أن يكد ويتعلم حرفة تدفع عنه الفقر، وتعلمه الاعتماد على النفس وعدم انتظار المساعدة من الغير. لذلك فإن من ضمن ما تتعلمه البنت منذ صغرها إلى جانب شؤون البيت المختلفة نسيج الزرابي والألبسة الصوفية، والخياطة وغيرها، فالبنت مطالبة بنسج أفرشة بيت الزوجية، وإن لم تقم بذلك عد عليها منقصة وضعفا، كما عليها أن تنسج وتخيط لباس زوجها وأولادها، وأن تكون المفروشات التقليدية لبيت استقبال الضيوف من صناعة يدها، كذا الأطباق المختلفة التي تقدم للضيف وإلا عدت ناقصة ولا تستحق لقب ربة بيت.

"لقد كان اقتصاد المنطقة يتعاون على حمله كلا الجنسين، فبينما يظل الرجل في بستانه مُكابداً لقساوة الطبيعة وصادا لغارات البدو، كانت المرأة في منزلها تغزل وتنسج، علاوة على قيامها بشؤون البيت المعروفة."

فإلى عهد قريب كان النسيج في مزاب، يمثل موردا رئيسا في توفير حاجة المزابيين من الملبوسات الصوفية، والفائض منه يتم مقايضته بالمادة الأولية وبعض المواد الغذائية التي يأتي بها البدو للبلد كالسمن والقمح وغيرها، وكانت المرأة هي سيدة هذا القطاع الإنتاجي بلا منازع، وكانت يديها تدر ذهبا، إذ ذكرت التقارير الاستعمار الفرنسي أن قيمة ما تنتجه النساء المزابيات من المنسوجات الصوفية في القرن التاسع عشر الميلادي، تقدر بما يقارب 70 ألف قطعة سنويا، ﺑ 20 فرنك فرنسي للقطعة الواحدة، وكانت حوالي سبعة آلاف امرأة مزابية تشتغل في النسيج بالبيت، بقوة إنتاجية تساوي 10 قطع سنويا للمرأة الواحدة.

إلى جانب قيمة الإنتاج الذي تمتاز بها المرأة بمزاب فهي تمتاز أيضا بقيمة الاقتصاد في المعيشة وترشيد استهلاكها، فلا يسمح بالتبذير بكل مظاهره، والاستهلاك يكون فقط على قد والأم هي الحارس الأول والضابط لهذا السلوك، حيث تنشئ عليه أبناءها الذين سيعيدون إنتاج نفس الأنماط الاجتماعية؛ فيصبح العمل وتقديسه، والحرص على الاقتصاد ونبذ الإسراف عادة، وخاصية نمط عيش، مبني على الاكتفاء الذاتي والتكيف مع معطيات الحياة مهما كانت، إلا أن تطور الحياة وما شهدته أنماط المعيشة من تحولات عميقة، لم تبق للمرأة ذلك الدور الاقتصادي كما كان.

شاركنا بتعليقك