إسهامات

قال ﷺ: "قل آمنت بالله ثم استقم" وقال: "الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل"؛ هذه مبادئ حضارتنا الألفية. لقد التزم سلفنا بمبادئ الاستقامة في كامل جوانب حياتهم تصديقا بما جاءت به رسالة الإسلام للبشرية. أحافظنا أم ضيّعنا؟

وانطلاقا من الإيمان الذي يصدقه العمل وتجسيدا لنصوص القرآن والسنة التي تربط الإيمان بالعمل والقول بالفعل رسم سلفنا مسارهم وأدركوا أن الدين متكامل يصدق بعضه بعضا. وهذا ما أعطى للخلف الملتزم طاقة عملية جعلتهم أكثر فاعلية في الحياة. فلا جدوى من إيمان بدون عمل ولا جدوى من أقوال تكذبها الجوارح. إن هذه الثوابت تغذيها التربية الأسرية والخطاب المنبري والتوجيه المدرسي. ويدعمها الإيمان بالقضاء والقدر والتضرع إلى الله خوفا وطمعا مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ الأعراف: 56.

اشتهر مجتمعنا بقيمه الإسلامية العالية فكان جلُّ أفراده ملتزمون تحكمهم تعاليم الإسلام في معاملاتهم وعشرتهم المتمثلة في صفات الأمانة والصدق والتضامن والاستقامة وفي نبذ الخيانة والكذب والانحرافات والمفاسد. اشتهرنا بهذا فلنكن كذلك. -جعلنا الله فوق ما يظنون وغفر لنا ما لا يعلمون- قال الله تعالی: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ  وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الذاريات: 55، 56.

لقد جعل الله للمسلم فرائض تزكيه وهي تذكره أنه خلقه الله تعالى ليعبده ويستعين به في معاشه ومعاده. ولم يخلقه عبثا ولم يأمره وينهاه عبثا. وأن خير أمة هي التي تراقب أفرادها وتطبق تعاليم الإسلام في حياتها وتتواصي بالحق والصبر قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ  إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ  إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ سورة العصر.

أقسم تعالى بالدهر أن كل الناس في خسارة إلا من آمن حقا وصدق عمله الصالح إيمائه وبنى مجتمعا قيمه الانضباط والتضامن في الصبر والمصابرة وفي الأمر والنهي.

ومصداقا لهذه التعريفات للفرد والمجتمع الصالح ساهمت مدارسنا القرآنية فكانت مختبرا يصنع الشخصية الإسلامية الإباضية المزابية مظهرا وجوهرا. وساهمت الأسرة والمجتمع في التربية. وساهم المرشدون بتوجيه الأمة على مبادئ القرآن والسنة الصحيحة وذلك في مناسبات أفرحاها وأتراحها. وكان يعمل الرقيب الاجتماعي من الآباء والأمهات في كل مكان على تحصين هذا الجهد النبيل تجسيدا عمليا لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ.. المائدة: 2 . ولقوله ﷺ: "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتآزرهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

والكل يشكل لحمة واحدة تحكمه الأعراف والتقاليد والنظم المستلهمة من روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها. وتساهم في ذلك تنظيمات المجتمع العرفية منها والرسمية في ترسيخ القيم من المسجد والعشيرة والأسرة والمدرسة والسوق والجمعية.

فتجد الشاب الملتزم منقطعا إلى عمله يعطيه جل وقته وجهده. ويمقت الفراغ وتضييع الأوقات في المقاهي أو على أرصفة الشوارع لأنه اقتنع أن العمل وإتقانه عبادة. وأن الدنيا والآخرة لا تنال إلا بالإخلاص والعمل الجاد. وتعود على الاعتماد على النفس ونبذ الاتكالية. فأول ما يفكر فيه الشاب بناء لشخصيته في المجتمع هو اقتناء أرض بعد أن يتحصل على مهنة تشرفه. فيقتصد لبناء مسكنه وتأسيس أسرته.

وتبعا لهذا يحسن الشاب التصرف في أمواله جمعا وإنفاقا واستثمارا. كما يحسن ترتيب أولوياته في الحياة. ويحسن فرز ضروریاته من كمالياته. لذا نجده أبعد الناس عن مظاهر التبذير. كما أنه يحمل فكر الادخار لمستقبل أيامه. ويفكر في نفسه كما يفكر في والديه وأسرته وأبنائه ومجتمعه. ولا يزال المجتمع يبذل الوسع ويجاهد النفس الاحتكام لهذه المبادئ الإسلامية الرفيعة. فطوبى له ولجهوده وقيمه.

فقيمنا العالية هي: إيمان يُصدقه العمل، أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، صبرنا عند الشدائد، حسن تربية أبنائنا نفسيا وبدنيا، رضاؤنا بقضاء الله وقدره، ذكرنا الله خوفا من عذابه وطمعا في رحمته، صيانة نسائنا، نشر تراثنا، عمل وإتقان وإخلاص، اتکالنا على النفس واكتفاؤنا الذاتي. تلك قيمنا ونحن الأعلون ما دمنا نلتزم بهذه المبادئ والأخلاق.

-بتصرف-

المصدر: كتاب من إرث حضارتنا، الأستاذ: باحيو يحي بن عمر، ص 28-32.

شاركنا بتعليقك