في رحلة طويلة يشقّها القطار في صمت، يتخيل "باومان" مجموعة من الركّاب المنعزلين في عوالمهم الافتراضية، التي تبدأ من أصابع المرء وتتمدد داخل هاتفه المحمول، ليخبرنا أنه بعد انقضاء الرحلة سيُسارع هؤلاء الركاب إلى منازلهم، لا ليستقطعوا الوقت لجلسات السمر الأسرية، ولكن ليختفي كل منهم في فضائه المنعزل مع هاتفه في عالمه الافتراضي المخصوص، فالمكان أصبح حين يوجد الهاتف لا البشر، ووحشة المكان تتمثل في افتقاد خاصية التواصل عبر الهاتف، لا افتقاد الأُنس بالآخرين.
هكذا كانت النتيجة إذن. لكن، جرت العادة أن النتائج تتوافق مع المقدمات، فكيف تكون المقدمة (زيادة التواصل الاجتماعي) وتكون النتيجة (زيادة الجزر المنعزلة)؟ لذا، فإن البعض يرى في غياب الفرصة على الإنترنت للتدريب على المهارات الاجتماعية تفسيرا لهذا الفصام بين المقدمة المعلنة والنتيجة المُحصّلة؛ ذلك لأن غياب هذا التدريب قد ينبئ بحدوث انخفاض في العلاقات العميقة ذات المغزى.
وترجع "غرينفيلد" هذا الرأي إلى اعتبار مهم يتبدّى في افتقار التواصل الشبكي للغة الجسد والتعبيرات الحيّة، كما سبق، مما قد يؤدّي لمزيد من انعدام الثقة بالحياة البشرية والناس، "فبعد كل شيء، تنبع الثقة من التعاطف، والذي ينشأ بدوره بأفضل صورة من خلال التواصل وجها لوجه ومن خلال لغة الجسد".
وفي السياق نفسه، رأت البروفيسور "شيري توركل" في كتابها "وحيدون معا" أنه على الرغم من وعود التكنولوجيا الكثيرة بتعزيز التواصل الاجتماعي، فإنها في الواقع تجعلنا أكثر وحدة، متحولة إلى أكبر العوائق أمام الحميمية الحقيقية في العلاقات الإنسانية. فإن كانت التكنولوجيا تمنحنا خيار العمل والتواصل مِن وفي أي مكان، فإنها في الوقت ذاته تجعلنا معرضين للوحدة في أي مكان.
كما أن فيسبوك يشجع، وفقا للكاتب اللبناني "طوني صغبيني"، على إنشاء علاقات إنسانية سطحية لا عمق فيها، تبدأ بكبسة زر وتنتهي بالأمر نفسه، فيما أسماه "باومان" في "الحب السائل" بـ "علاقات الجيب العلوي"، وهو ما يمثل تهديدا للحياة الاجتماعية لجيل المواطن الرقمي ممن لم يسعفهم الحظ لتكوين علاقات إنسانية طبيعية قبل النشأة في أحضان فيسبوك.
ويفسّر "صغبيني" هذا التآكل للعلاقات بأن فيسبوك يدفعنا لتركيز الجزء الأكبر من انتباهنا على أنفسنا، فيما يظهر بأنه يدفعنا للعكس نحو إقامة علاقات مع الآخرين، إنه "مِرآة تتنكر على أنها نافذة"، لذا فإنه يشجعنا على التواصل الذي يعزز تقديرنا لأنفسنا، لا صلتنا بالآخرين. فالعلاقة تتحول إلى صورة وتعليق وإعجاب وتبادل بارد للتعابير الإلكترونية.
ذلك اللون الباهت من العلاقات لم يقتصر على الصداقات وحسب، فتروي الخاطبة المهنية "أليسون غرين" أنها تواجه مشكلات فريدة من نوعها عند التعامل مع المواطنين الرقميين عند تعارفهم عن طريقها، فتقول: "يبدو أنهم يجدون صعوبة كبيرة في التواصل وجها لوجه، فحوّلوا مسار التطور العاطفي للعلاقات ليتم عبر الإنترنت، مع تفضيل الأزواج لتعرف بعضهم على بعض لأول مرة من خلال المسافة والسلامة التي توفرها لهم هواتفهم الذكية".
وعلى النقيض، فإن التعامل غير الجدي مع صداقات وسائل التواصل قد يأتي بأثر عكسي لم يكن حاضرا في زمن ما قبل سيطرتها، ويتمثّل هذا الأثر في الإبقاء على تلك الصداقة الإلكترونية مع شركاء الحياة السابقين، الأمر الذي يُعرّض المرء لذكريات/أخبار لا يُفضّل الاصطدام بها، فقد وجدت إحدى الدراسات التي أُجريت على 464 متطوعًا أن التعرض للشريك السابق من خلال فيسبوك قد يعيق عملية التعافي والمُضي قُدما.
هذا العالم من العلاقات تشبّهه "سوزان غرينفيلد" بالأطعمة منخفضة القيمة الغذائية، تلك التي تُضفي القليل من المرح والترفيه على حياتنا، إلا أن الكثير منها يحمل تداعياته السلبية على المجتمع ككل. لذا، وعلى أي حال، فإن ما يبدو غير قابل للجدل، من وجهة نظرها، هو أن لهذه المواقع تأثيرا كبيرا في التواصل بين الأشخاص.
-بتصرف-
المصدر: موقع شبكة الجزيرة الإعلامية
شاركنا بتعليقك