إسهامات

نظرا لطبيعة المناخ الصحراوي في منطقة واد مزاب، والذي يتميز بتغيير كبير لدرجات الحرارة بين الحد الأدنى والحد الأقصى، وارتفاع الحرارة في فصل الصيف والبرودة في فصل الشتاء، فقد أُجبر سكان المنطقة على اتباع نمط عمراني موحد ومدروس يدل على الذكاء الفائق الذي يتميز به سكان المنطقة، حيث اختلف هذا النمط بين القصر والواحات (الحضر والريف) واستعملت فيه مواد بناء محلية وطبيعية وهذا لكي لا يعارضوا نسق الطبيعة.

1. تأقلم المزابيون مع البيئة الصحراوية:

  • النمط العمراني لمساكن القصر:

تلتف المساكن في مدن مزاب حول المسجد، وهي ذات أشكال مختلفة لكنها منسجمة في مجملها مشكلة وحدة متجانسة بمجموعها، مساحة غالبيتها لا تتجاوز 100 مائة متر مربع، تجمّعت على شكر كتل متراصّة أفقيا ورأسيا ومتلاصقة بعضها ببعض بشكل يمنع تعرّض أكبر ما يمكن من الجدران الخارجية إلى أشعّة شّمس الصيف وبرودة طقس الشّتاء، وهذا من أجل إنشاء طقس معتدل أو ما يعرف بـ Micro-climat داخل القصر عامة في المساكن على الخصوص، علو بناياتها الداخلية المختلفة حددت وفق عادات وتقاليد المجتمع وطبيعة المنطقة الصحراوية لكي تلقي هذه الكتل البنائية بضلالها في فراغ الأزقّة الضّيقة، بحيث يمكن أن تغطي كامل عرضه، وفي بعض الأحيان تتعدى ظلالها إلى المبنى المقابل وذلك للتخفيف من هذه الأشعّة المباشرة ومن كمية الحرارة التي ستنقل لاحقا ولو بكميات أقل إلى داخل المسكن.

إضافة إلى عرقلة حركة مرور الرياح الرّملية داخل الأزقّة بفضل التواءاتها، ومعاكستها لوجهة الرياح السّائدة، توجه معظم المساكن نحو الجنوب الغربي، مما يسمه بتوفير حد أدنى من الكسب الشّمسي صيفا، ومن ضياع الحرارة شتاء.

كما نجد في تركيبة الطابق العلوي إيكومار له هذه الوجهة –أي الجنوب الغربي- مما يجعله يوفر أشعة الشمس الدّافئة شتاء، وفي نفس الوقت يكون بمثابة حماية للغرف من أشعة الشمس الحارة صيفا، تبعا لتغيّرات موقع طلوع الشمس وغروبها، وكذا ارتفاعها بين الشتاء والصيف فمن خلال موقع فتحة الشّباك في السطح يسمح لأشعة شمس الشّتاء من الدخول إلى فضاءات الطابق الأرضي طوال اليوم تقريبا وخاصة الفضاء المسمّى –تيزفري- خلال الصباح مما يشكل تدفئة طبيعية، أما خلال الصيف فنظرا لارتفاع الشمس تكون أشعتها عادة فوق أرضية وسط الدار وتكون بذلك الفراغات الأخرى في حمى عنها، وفي هذه الحالة يمكن بكل يسر تغطية فتحة الشباك بقماشها شفاف يقلل من هذه الأشعة ويسمح للهواء بالمرور.

  • النمط العمراني لمساكن الواحة:

أما في مساكن الواحات فإن الفارق الحراري الشاسع بين السطوح المعرضة لأشعة الشمس وبين الأفنية المضللة بالنخيل والأشجار المرتوية بالمياه ينتج عنه تيارا هوائيا محليا بين المدخل وفتحة الشباك، يعمل على تبريد الفضاء الداخلي، كما تعلق قربة الماء في السقيفة للاستفادة من هذا التبريد الطبيعي.

2. مواد البناء التي يستعملها المزابيون:

عمد سكان المنطقة إلى استعمال واستغلال مواد البناء المحلية المتوفرة في الطبيعة في تشييد مختلف مشاريع البناء والمتمثلة بالخصوص في: الحجارة المقتلعة من طبقات الصخور الكلسية البيضاء، استعمال أنواع من الجبس يدعى "تيمشمت"، مادة الجير التي تساعد على تماسك البناء، الرمل غير الصلصالي، مشتقات شجر النخيل مثل الجذوع، الجريد، السعف، وكل هذه المواد محلية سهلة المنال غير مكلفة، ضعيفة التوصيل الحراري، تناسب مع متطلبات المتانة والعزل دون إهمال الناحية الجمالية لكل إنجاز. ومن هذه المواد الطبيعية:

  • الحجـــر:

تتواجد الحجارة بوفرة في المنطقة وهي بيضاء أو بنية فاتحة تستخرج من الطبقة السطحية، ولها مقاييس مختلفة، تخضع إلى شروط الاستعمال والنقل نحو أماكن العمل، ويتم تحضيرها بالمقاييس النهائية داخل الورشة وفق نوعية الأشغال.

  • الجيـــــــر:

الجير كثير الوفرة في المنطقة، ويستخرج من الطبقة السطحية للجبال الصخرية. يوضع داخل أفران يبلغ ارتفاعها المترين، يستلزم حرقه كالجبس "التمشمت" ولكن بطاقة أكبر من 05 إلى 06 مرات الجبس، مما يعد أكثر كلفة في التحضير.

  • التمشمت:

التمشمت هو جبس محلي ذو لون أبيض مائل إلى الرمادي، ويستخرج من طبقة سطحية أو في عمق يبلغ المتر. يتم حرق الصخور في فرن له فتحة من الأسفل، أين يتم إدخال الحطب لعملية الحرق.

يكدس الجبس داخل الفرن التقليدي المبني من الحجارة والطين الأحمر، مستدير الشكل بعمق يبلغ متر ونصف ليتم حرقه في مدة 24 ساعة. وعند استهلاك كمية الحطب الموجودة، تصبح الأحجار هشة لطحنها مع نزع الشوائب العالقة بها. وكانت هذه الصناعة من الصناعات السائدة بمزاب.

  • الطوب (قوالب الطين):

هي قوالب مصنوعة من الطين. يستخرج من الأرض مباشرة مع إضافة كمية من الماء وخلطه وصنع قوالب، ثم تترك لتجف تحت الشمس. وفي بعض الأحيان يضاف مع الخليط كمية من التبن لتقويته وتماسكه.

3. نقل مواد البناء:

كان الجبس المصنوع في الأفران التقليدية يُحمل على الدواب، ففي كل صباح ترى أسرابا من حمير نازلة أو صاعدة إلى الجبل حاملة زنابيل من جبس، أو راجعة إلى حملها طول النهار، أما الجير فيباع في مكانه والمحتاج يأتي به على دوابه.

كما توجد أفراد أو جماعات تصنع الّلبن من الطين بقوالب معدة لذلك، والمحتاج يدعوهم لمكان عمله يهيؤون له ما يشاء بجُعلٍ يتفقون عليه. فهكذا نرى الاكتفاء الذاتي في مواد البناء.

-بتصرف-

المصادر:

• كتاب بحوث ومحاضرات في الدين والحياة. للشهيد بالحاج بن عدون قشار. ص245

موقع ديوان حماية واد مزاب وترقيته OPVM

موقع آت مزاب

شاركنا بتعليقك