إسهامات

الأضرحة بواد مزاب:

تقدم أضرحة وادي مزاب طرازا يختلف تماما عن النماذج والطرز المعمارية المعروفة في العالم الإسلامي، فهي عبارة عن مصطبة صغيرة مستطيلة الشكل لا يزيد ارتفاعها عن 70 سم من سطح الأرض، وتغطي هذه المصطبة مساحة القبر فقط، وتنطلق من أركانها أربعة أعمدة صغيرة بمثابة شرافات تبدو على شكل نتوءات منتفخة في الأسفل وضيقة في الأعلى، ويتراوح ارتفاع هذه الشرافات ما بين 55 سم و 25 سم. إن هذا البناء فقط يعلو فوق قبور العلماء والمشايخ من الإباضية بمزاب، وأطلق عليه تسمية "المقام". وقد فتحت في الواجهة الشمالية الغربية من جهة الرأس كوة معقودة بعقد نصف دائري تبين اتجاه القبلة، وجاءت بمثابة عنصر المحراب.

ينفرد مقام أبي مهدي عیسی عن المقامات الإباضية المزابية الأخرى بتواجد هيكل صغير بجواره يشبه تماما المئذنة في شكلها الهرمي، فعلى حسب رأي الأهالي يستعمل هذا المبنى الصغير بمثابة مئذنة لأداء نفس الوظيفة، أي الآذان، ولكن يقتصر الآذان هنا على موسم الحج فقط، أثناء تشييع الحجاج في ذهابهم و إيابهم. إذ تقتضي عادات و تقاليد المدينة أن يقوم الحجاج بزيارة المقام قبل وبعد أدائهم لفريضة الحج.

لعل الأحاديث النبوية التي تحرم إقامة الأضرحة كانت السبب المباشر لتلك البساطة المعهودة في عمارة الأضرحة بوادي مزاب، فباستثناء ذلك البناء البسيط المتواضع الذي لا تزيد مساحته عن مساحة القبر، لا مجال لأية إضافة في البناء تزيد عن ذلك الحد، كما أنه لا مجال لأية زخرفة سواء كانت نباتية أو هندسية أو خطية.

أنظمة تشييد القبور:

تظهر القبور الإباضية في مزاب كلها متشابهة ومتساوية، باستثناء تلك المقامات التي تحتضن رفات بعض العلماء والفقهاء، إذ لا يمكن التفرقة بين قبر لغني أو فقير. فالقبر لا يبرز عن الأرضية أكثر من شبر كما ينص على ذلك الفقه الإسلامي، وذلك لكي يعرف القبر فيُصان ولا يداس بالأرجل، ويتم تحديد الرأس والأرجل بواسطة أحجار مصفحة مثبتة عموديا. وتوضع على طول القبر آنية الشراب والأكل مصنوعة من الفخار أو الخزف، وتكون ذات أشكال وأحجام مختلفة، وقد تعمد کسرها، لمنع اللصوص من سرقتها ربما أو للدلالة على نهاية الحياة.

وبالرغم من أن "مارسيل مرسييه" الذي لاحظ انتشار هذه الظاهرة بكثرة في الجنوب الوهراني وفي جنوب الصحراء وفي جربة وحتى في النيجر، ويُرجع أصل هذه الظاهرة إلى عبادة وثنية قديمة تعود إلى العهود الأولى للحضارة الإنسانية، حيث كانت الوجبات الجنائزية توضع إلى جانب الميت، لكن الغرض يختلف هنا في مزاب، فما وضع الآنية إلا وسيلة تسهل عملية تمييز قبر عن الآخر لا سيما في ظل منع الكتابة على القبور. فبفضل عدد الآنية وأشكالها وأحجامها وألوانها يمكن لأهل الميت التعرف بدون عناء على قبر فقیدهم.

-بتصرف-

المصدر: أطروحة دكتوراه بعنوان "العمارة الدينية الإباضية بمنطقة واد مزاب"، إعداد بلحاج بن بنوح معروف، ص210-211.

شاركنا بتعليقك