إنَّ الإِعداد لتكوين الأُسرة المسلمة يرجع إلى حقبة السنوات السابقة على إعلان مراسم الزواج، فبمقدار ما يكون كلٌّ من الزوجين قد نُشِّئ على الفهم الواعي لمبادئ الإِسلام، ورُبِّي على تطبيقه لفضائله الرفيعة وآدابه، بمقدار ما يُكتبُ لزواجهما النجاح، ولكيان أسرتهما المرتقب السداد والفلاح، ومن هنا ألحَّ الإِسلامُ على الخاطب ضرورة إعمال أقصى درجات التثبّت والتحقّق والتحري في اختيار شريكة العمر ورفيقة الدرب، وجعل لذلك أسساً ينبغي على كلّ مسلم أن يلتزمها – جهدَ استطاعته – ليضمن لكيانه الجديد أن يُبنى على الصلاح والتقوى، وليظفر بالتالي برضوان الله وسعادة الدنيا والآخرة. ولعل أهمّ الأسس التي ينبغي مراعاتها في اختيار الزوجة ما يلي:
أن تكون ذات دين وخلق، لقوله تعالى:
أ. ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ الحجرات: 13.
ب. ﴿ وَأَنكِحُواْ الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ﴾ النور: 32.
جـ. ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾ النور: 26.
ولما ورد عن النبي ﷺ عنه أنّه قال: " تنكح المرأةُ لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفرْ بذات الدين تَرِبتْ يداك " وقوله: " الدنيا متاع، وخيرُ متاعها المرأةُ الصالحة ".
فالدينُ هو العنصُر الأساس في اختيار الزوجة، ذلك أنّ الزوجة سكنٌ لزوجها، وحرثٌ له، وهي مهوى فؤاده، وربَّةُ بيته، وأمُّ أولاده.. عنها يأخذون صفاتهم وطباعهم، فإن لم تكن على قدرٍ عظيمٍ من الدين والخلق؛ فشل الزوج في تكوين أسرةٍ مسلمةٍ صالحة، أمَّا إذا كانت ذاتَ خلقٍ ودين كانت أمينةً على زوجها في ماله وعرضه وشرفه، عفيفةً في نفسها ولسانها، حسنةً لعشرةِ زوجها، فضمنتْ له سعادتَه، ولأولاد تربيةً فاضلة، وللأسرةِ شرفَها وسمعتَها، فاللائقُ بذي المروءة والرأي أن يجعل ذواتِ الدينِ مطمحَ النظر وغايةَ البُغية. لأنَّ جمال الخُلُقِ أبقى من جمال الخَلْقِ، وغنى النفس أولى من غنى المال وأنفس، والعبرةُ العبرةُ في الخصال لا الأشكال، وفي الخِلال لا الأموال..
وذلك لما ورد في الكتاب الكريم والسنة المطهرة، من تحبيب بطلب الذرية الصالحة، وحثٍ على التكاثر في النسل، بما يحقق الغرض الأسمى من الزواج، والمتمثل في استمرار النوع البشري، وإنجاب الذرية، ودوام عمارة الإنسان للأرض، التي هي من الغايات الأساسية التي خلقه الله من أجلها.
وتُعرَفُ الولود بالنظر إلى حالها من كمال جسمها وسلامة صحتها من الأمراض التي تمنع الحمل أو الولادة، وبالنظر إلى حال أمها، وقياسها على مثيلاتها من أخواتها وعمَّاتها وخالاتها المتزوجات، فإن كُنَّ ممن عادتهن الحمل والولادة كانت – في غالب أمرها – مثلَهن.
أن تكون ودوداً، تُقبل على زوجها، فتحيطه بالمودة والحب والرعاية، وتحرص على طاعته ومرضاته، ليتحقّق بها الهدف الأساسي من الزواج وهو السكن.
والودود هي المرأة التي يُعْهَدُ منها، التودّدُ إلى زوجها، والتحبّبُ إليه، وبذلُ ما بوسعها من أجل مرضاته، لذا تكون معروفةً باعتدال المزاج، وهدوء الأعصاب، بعيدةً عن الانحرافات النفسية والعصبية، تقدر على الحنو على ولدها، ورعاية حقّ زوجها. أمّا إذا لم تكن المرأة كذلك، كثر نشوزها، وترفَّعتْ على زوجها، وصعب قيادها لشراسة خلقها، مما يفسد الحياة الزوجية بل ويدمرها، بعد استحالة تحقّق السكن النفسي والروحي للزواج بسببها.
أن تكون بكراً، لتكون المحبة بينهما أقوى والصلة أوثق، إذ البِكرُ مجبولةٌ على الأُنس بأول أَليفٍ لها، وهذا يحمي الأسرة من كثير مما يُنغّصُ عليها عيشها، ويُكدّر صفوها، وبذا نفهم السرَّ الإِلهي في جعل نساء الجنة أبكاراً، في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً ♦ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ♦ عُرُبًا أَتْرَابًا ﴾ الواقعة: 35 – 37.
ومن المعلوم أنَّ في زواج البكر من الألفة التامة، لما جُبلت عليه من الأُنس بأول إنسان تكون في عصمته، بخلاف الثيّب التي قد تظلُّ متعلقةَ القلب بالزوج الأول، فلا تكون محبتها كاملة، ولا مودتها صادقة، مما يدفعها أحياناً إلى النفور من الأخير، أو الفتور في معاملته.
أن تكون جميلة، حسنة الوجه، لتحصل بها للزوج العِفَّة، ويتمَّ الإِحسان، وتسعد النفس.
أن تكون حسيبةً، كريمةَ العنصر، طيبةَ الأرومة، من حرائر النساء: لأن الغالب فيمن اتصفت بذلك، أن تكون حميدةَ الطباع، ودودةً للزوج، رحيمةً بالولد، حريصةً على صلاح الأسرة وصيانة شرف البيت، وفي كلّ الأحوال فإنَّ أصالة الشرف وحسن المنبت ونُبل الأرومة أمرٌ مرغوب ومطلبٌ محمود.
وبدهيٌ أنّ الرجل إذا تزوَّج المرأة الحسيبة المنحدرة من أصل كريم، أنجبت له أولاداً مفطورين على معالي الأمور، متطبّعين بعاداتٍ أصيلة وأخلاقٍ قويمة. لأنهم سيرضعون منها لِبانَ المكارم، ويكتسبون خصالَ الخير.
أمَّا أهلُ الدنيا فإنَّهم يجعلون المالَ حسبهم الذي يسعون إليه، ففضائلهم التي يرغبون فيها ويميلون إليها ويعتمدون عليها في النكاح وغيره المالُ، لا يعرفون شرفاً آخَر مساوياً له، بل مدانياً إيَّاه، فصحابُ المال فيهم عزيزٌ كيفما كان، والمقلُّ عندهم وضيع ولو كان ذا نسب رفيع.
والحقّ الذي ينبغي أن يُصار إليه، أن حسب المرء لا يكون بكثرة ماله ووَفرة رِعائه، بل بنبالة أصله وشرف محتده.
-بتصرف-
المصدر: موقع الألوكة الثقافية
شاركنا بتعليقك