إسهامات

تجمع نتائج أغلب الدراسات السيكولوجية، الغربية والعربية، على أن نموذج الممارسة التربوية المرنة يتميز بتأثير إيجابي أكثر من نموذجي الممارسات الضعيفة والصارمة.

والمرونة علامة تميز المربي ولا غناء عنها لمن يتعامل مع الطفل حيث إن الطفل يختلف في خصائصه واحتياجاته وميوله واهتماماته وحاجاته عن غيره من الأطفال، ولذلك لا يجب الالتزام مع جميع الأطفال بقواعد ثابتة لا تتغير، بل إن أساليب الثواب والعقاب تختلف باختلاف الإجادة أو الخطأ، وكذلك باختلاف المحسن أو المخطئ، وليس من المعقول أن يتم التعامل مع الطفل بأسلوب واحد دائما.

فأنت أخي المربي قد ذهبت مع أبنائك لأحد المتنزهات لكنك وجدت المكان مغلقا فهل تقرر الإياب إلى المنزل لأنك لم تخرج إلا قاصدا هذا المكان أم تقرر على الفور أن تكون مرناً وتذهب إلى متنزه آخر لإسعاد الأبناء.

والمربي المرن هو الذي لا يكرر الطريقة السلبية أو التي فشل فيها ولم تحقق أهدافها التربوية خاصة عند التعامل مع أخطاء الأطفال وتوجيههم، فالمربي يغير من كلامه وطريقة توجيهه أولا بأول. فهذه الذبابة التي أرادت الخروج من النافذة فاصطدمت بالزجاج فحاولت واصطدمت وتكررت محاولاتها وتكرر اصطدامها حتى هلكت من و التعب في حين أن هناك في نفس الحجرة كانت توجد نافذة أخرى مفتوحة، هذه الذبابة نموذج فاشل

أما الفار فقد صنعوا له متاهة ووضعوا في نهايتها قطعة جبن فظل يحاول حتى وصل إليها، وبعد ذلك غيروا مكان القطعة فذهب في الأول فلم يجدها فغير بمرونة فائقة طريقة تحركه وحاول في اتجاهات أخرى حتى وجدها، وهذا هو النموذج الناجح.

إن المرونة قوة، وإن الشخص الذي لا يستفيد من خبراته وتجاربه يظل يخطئ نفس الخطأ ويكرر نفس المحاولة الفاشلة حتى يضنيه التعب والإجهاد والإحباط وهو مثل الذبابة التي أهلكت نفسها، وما عليه إلا أن يقرر من الآن أن يكون مرنا في التعامل مع أبنائه وينوع من أساليبه التربوية ومن طريقة علاجه للسلوكيات والمشكلات؛ فلا يمكن أبدا أن نعاقب الطفل بالحرمان كلما أخطأ أو أن نشجعه بمكافأة واحدة كلما أحسن فهو عندما يخطئ للمرة الثانية فيجب التعامل معه بشكل مختلف عن المرة السابقة خاصة إذا أخطأ نفس الخطأ وبشكل متعمد وبدون اعتذار.

إن هناك بعض السلوكيات الثابتة أو القواعد العامة لبعض الآباء والتي يمكنها أن تتعدل حسب الظروف بحيث لابد للطفل أن ينام مثلا في وقت محدد ولكن إذا كان يوم الغد عطلة يمكنه أن يسهر قليلا حينما يرغب في ذلك كهدية له عما بذله من مجهود طوال الأسبوع، وهذا يعني أن القواعد ليست جامدة بل تتكيف تبعا للظروف والأحداث.

والحقيقة أن نموذج الممارسة المرنة هذا هو الذي يعكس مواصفات الممارسات التربوية الصحيحة التي توفر الإشباع المنتظم لحاجيات الطفل والمتمثلة في المرونة والحرية والتقبل والتسامح والعدل والحوار والالتزام والدفء الوالدي، فالطفل الذي يترعرع في كنف هذه الممارسة التربوية المرنة عادة ما يتميز بسمات الشخصية السوية المتمثلة أساسا في الثقة في النفس وتحمل المسئولية والشعور بالأمن والكفاءة في التحصيل والتواصل مع الآخرين والمهارة في حل المشكلات ومواجهة مواقف الحياة المختلفة.

ولكي يتحلى المربي بالمرونة كذلك يمكن أن يأخذ برأي أبنائه في المكان الذي سيذهبون إليه للتنزه أو الملابس التي يشترونها أو المدرسة التي يدخلونها ولا يتجمد عند رأي لا يغيره وإن تبين خطؤه، فالمرونة هنا تحتم عليه تغيير رأيه.

-بتصرف-

المصدر: كتاب أحسن مربي في العالم، محمد سعيد مرسي، صفحة 290-292.

شاركنا بتعليقك