إسهامات

يتعرض المؤمن لمرضين خطيرين يذهبان بالأعمال، ويعملان باستمرار على تفريغها من مضامينها، ويقضيان على روحها قضاء تاما، وهما الرياء والعجب.

إن الرياء في الأعمال يرجع إلى فساد الفطرة، وإلى انطماس البصيرة، ذلك لأن العاقل يرى أن الكون مسخر بأمر الله، فالله وحده هو المقدم والمؤخر فيه، وهو الذي يوجد المعدوم، ويعدم الموجود فيه.‏ والله وحده هو الذي يبسط النعماء، ويدفع الضراء، والله تبارك وتعالى وحده هو الذي يحقق للإنسان مطالبه ويستجيب دعاءه ويعطيه سؤله.

.فلماذا يتعلق بعمله عندما يعمله لغير الله تعالى وهو القادر عليه والمتفضل عليه بصنوف النعم.

وإذا كان الإنسان يرائي بعمله، فليسأل نفسه من يرائي يا ترى؟

فإن كان يرائي الناس فماذا عسى أن يفيده الناس إن عمل من أجلهم؟ الناس كلهم لا يملكون لأي أحد نفعا ولا ضرا على أن كل أحد منهم فان. ماذا عسى أن يفيد هذا العامل من إعجاب هذا الإنسان الفاني لعمله؟ أو ليس أولى له أن يعمله لوجه الله تبارك وتعالى الباقي الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

إن الله تبارك وتعالى عندما أمر عباده بعبادته ذكرهم نعمه عليهم، يقول تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُمْ وَالذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرْضَ فِراشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَندَادًا وَأنتُمْ تَعْلَمُونَ البقرة: 21-22. فالذي يرائي في عمله؛ إنما جعل لله سبحانه وتعالى أندادا لأنه رأى غير الله تعالى أهلا لأن يتقرب إليه بذلك العمل، مع أن الله لا يرضى أن يكون ذلك العمل إلا خالصا لوجهه الكريم، ففي هذا ما ينفع العباد في تطهير سرائرهم، وجعلها خالصة له تبارك وتعالى، وتزكية أعمالهم بالإخلاص.

ومن أنواع العلاج الناجع لداء الرياء هو كتمان العمل عن أعين الناس ولذلك كان السلف الصالح حريصين كل الحرص على كتمان أعمالهم التي يتقربون بها إلى الله تبارك وتعالى -من غير الفروض- عن الناس، أما الفروض فإنها تظهر، إذ كتمانها يؤدي إلى سوء الظن بالناس، فالنوافل ينبغي أن تكون مكتومة، وقد كان السلف يحرصون على كتمان النوافل، وإخفائها عن أبصار الناس، وإبعادها عن مسامعهم، فكانوا عندما يتهجدون يتهجدون في الخفاء، وعندما يتصدقون ۔ صدقات النفل ۔ يتصدقون في السر، يحرصون على كتمان ذلك حتى عن أولئك الذين يتصدق عليهم، لئلا ينالوا منهم جزاء أو يسمع لهم ذكر بين الناس، والعاقل يحرص كل الحرص على منفعته، ومنفعة الإنسان إنا تتوقف على الإخلاص.

-بتصرف-

المصدر: كتاب من معالم الفكر التربوي عند الشيخ أحمد الخليلي، د. زايد بن سليمان الجهضمي، ص 200-204.

شاركنا بتعليقك