إسهامات

يروي أحدهم قصته مع ولده سالم؛ فيقول: لم أكن تجاوزت الثلاثين حي أنجبتْ زوجتي أول أبنائي ما زلتُ أذكر تلك الليلة، بقيت إلى آخر الليل مع الشلة في إحدى الاستراحات كانت سهرة مليئة بالكلام الفارغ، بل الغيبة والضحكات العابثة، كنت أنا الذي أتولى في الغالب اضحاكهم كنت أمتلك موهبة عجيبة في التقليد، كنتُ أسخر من هذا وذاك، ولم يسلم منّي أحد حتى أصحابي.

أذكرُ أني سخرت تلك الليلة من أعمى رأيته يتسول في السوق والأدهى من ذلك أنّي وضعت قدمي أمامه، فتعثّر وسقط يتلفت برأسه لا يدري ما يقول.

عدتُ إلى بيتي متأخر كالعادة، وجدت زوجتي في انتظاري، كان الإعياء ظاهر عليها، ويبدو أن موعد ولادتها قد أصبح وشيكا.

أحسست أني أهملت زوجتي، كان المفروض أن أهتم بها وأقلل من سهراتي، خاصة أنها في شهرها التاسع حملتها إلى المستشفى بسرعة، وكنت أنتظر ولادتها بفارغ الصبر، إلا أن ولادتها قد تعسرت.

خرجت الطبيبة وبدأت تُكلمني عن المصائب، والرضا بالأقدار ثم قالت: ولدك به تشوه شديد في عينيه، ويبدو أنه فاقد البصر.

خفضت رأسي وأنا أدافع عباراتي، تذكرت ذاك المتسول الأعمى الذي دفعته في السوق وأضحكت عليه الناس.

سبحان الله كما تدين تدان، بقيتُ واجما قليلا لا أدري ماذا أقول، لم تحزن زوجتي، كانت مؤمنة بقضاء الله راضية، لطالما نصحتني أن أكف عن الاستهزاء بالناس، ولكنني لم أكن أستجيب.

لم أكن أهتم بـــــ"سالم" كثيرا، اعتبرته غير موجود في المنزل حين يشتد بكاؤه أهرب إلى الصالة لأنام فيها، كانت زوجتي تهتم به كثيرا، وتحبه كثيرا أما أنا فلم أكن أكرهه، لكنني لم أستطع أن أحبه.

وعندما قارب عمره السنة اكتشفنا أنه أعرج، فأصبح أكثر ثقلا على نفسي أنجبت زوجتي بعده عمر وخالد....

مرت السنوات، وكبر سالم، وكبر أخواه كنت لا أحب الجلوس في البيت، فتراني دوما مع أصحابي، ولم تيأس زوجتي من إصلاحي كانت تدعو لي دائما بالهداية، وكانت تحزن كثيرا إذا رأت إهمالي لسالم واهتمامي بباقي إخوته.

لم أكن أحس بمرور السنوات أيامي سوداء، عمل ونوم، وطعام وسهر، وفي يوم جمعة استيقظت على الساعة الحادي عشر ظهرا، كنت مدعوّا إلى وليمة، فلبست وتعطرت وهممت بالخروج استوقفني منظر سالم، كان يبكي بحرقة إنها المرة الأولى التي أنتبه فيها إلى سالم يبكي منذ كان طفلا عشر سنوات مضت لم لتفت إليه حاولت ان أتجاهله فلم أحتمل اقتربت منه، قلت: سالم لماذا تبكي؟؟

حين سمع صوتي توقف عن البكاء فلما شعر بقربي، أحسستُ أنه يحاول الابتعاد عني وكأنه يقول: الآن أحسست بي؟؟ أين كنت منذ عشر سنوات؟؟ رفض أن يخبرني في البداية عن سبب بكائه، حاولت التلطف معه

لقد تأخر عليه أخوه عمر الذي اعتاد أن يوصله إلى المسجد، ولأنها صلاة جمعة خاف ألا يجد مكانا في الصف الأول، كانت صفعة قاسية على وجهي أيقظتني من سبات عميق.

عندها نسيت أصحابي، ونسيت الوليمة، وقلت: سالم لا تحزن، هل تعلم من سيذهب بك اليوم إلى المسجد؟

قال: أكيد عمر، لكنه تأخر.

قلت: لا، بل أنا سأذهب بك.

اندهش سالم، ظن أني أسخر منه مسحت دموعه وأخذت بيده إلى المسجد لا أذكر متى آخر مرة دخلت فيها المسجد، لكنها المرة الأولى التي أشعر فيها بالخوف والندم على ما فرطته طوال السنوات الماضية.

كان المسجد مليئا بالمصلين إلا أني وجدت لسالم مكانا في الصف الأول استمعنا لخطبة الجمعة معا، وصلى بجانبي، بل في الحقيقة أنا صليت بجانبه وبعد انتهاء الصلاة طلب مني سالم مصحفا

استغربت كيف سيقرأ وهو أعمى؟.

ناولته المصحف، فطلب مني أن أفتح المصحف على سورة الكهف

أخذت أقلب الصفحات تارة، وأنظر في الفهرس تارة أخرى، حتى وجدتها أخذ مني المصحف ثم وضعه أمامه، وبدأ في قراءة السورة وعيناه مغمضتان يا لله إنه يحفظ سورة الكهف كاملة.

خجلت من نفسي أمسكت مصحف، أحسست برعشة في أوصالي، قرأت وقرأت دعوت الله أن يغفر لي ويهديني لم أستطع الاحتمال، فبدأت أبكي كالأطفال لم أشعر إلا بيد صغيرة تتلمس وجهي، ثم تمسح عني دموعي.

إنه سالم ضممته إلى صدري قلت في نفسي: لست أنت الأعمى، بل أنا الأعمى حين انسقتُ وراء فسّاق يجرون بي إلى النار.

عدنا إلى المنزل كانت زوجتي قلقة كثيرا على سالم، لكن قلقها تحول إلى دموع حين علمت أني صليت الجمعة مع سالم.

ومنذ ذلك اليوم لم تفتني صلاة جماعة في المسجد، ذقت طعم الايمان معهم، ختمتُ القرءان عدة مرات في شهر، رطبت لساني بالذكر لعل الله يغفر لي غيبتي وسخريتي من الناس.

وذات يوم قرر أصحابي الصالحون أن يتوجهوا إلى إحدى المناطق البعيدة للدعوة استخرت الله، واستشرت زوجتي فرحت كثيرا بل شجعتني أخبرت سالم أني مسافر، ضمني بدراعيه الصغيرتين مودعا.

تغيبت عن البيت ثلاثة أشهر وعندما عدت إلى المنزل تمنيت أن يفتح لي سالم، لكن فوجئت بزوجتي؛ كان وجهها متغيرًا سألتها: أين سالم؟

خفضت رأسها ولم تجب سقطت دمعاتٌ حارة على خديها، لم أسمع حينها سوى صوت ابني خالد يقول: بابا سالم في الجنة.

عرفت بعدها أن سالم أصابته حمى قبل مجيئي بأسبوعين، فأخذته زوجتي إلى المستشفى، وهناك فارقت روحه جسده.

المصدر: حسان باشا، عندما يحلو المساء، دار بدر،2017، ط1، ص69،68.

شاركنا بتعليقك