إسهامات

إذا كانت الوظيفة الأساسية للإنسان في هذه الحياة هي تحقيق العبودية لله -تبارك وتعالى- وما يتبع ذلك من شروط ومكملات فإن كل علم يتعلمه الإنسان، وكل تقدم تقني يُحرزه، ينبغي أن يساعده على القيام بواجبه وتأدية رسالته على الوجه المطلوب. هذه الرؤية الإسلامية، تكون إطارًا نظريًّا لحركة العلم واهتماماته وأهدافه، وإن كل الإطلاقات يجب أن تُفَسر في ضوء هذا المفهوم.

إن العلم نمط فرعي من فروع كثيرة، ولذا فإن بإمكان الناس أن يستخدموه أداة للخير وأداة للشر؛ ويمكن أن يوظف في إعمار الحياة الإنسانية كلها، كما يمكن أن يكون أداة لهدمها بحسب الوضعية العامة لمن يستخدمه. إن الإنسان هو الذي قام بتطوير العلوم وإنضاجها، لكنه لا يستطيع السيطرة عليها، ولا توجيهها على نحو دائم، وحين تخرج إلى العلن، يصبح سحبها، أو التراجع عنها أمرا مستحيلا؛ ولذا فإن بإمكان بعض الأشرار -وهم كثر- أن يوجدوا للمعارف من التطبيقات ما يضاد مرادات أصحابها الأُوَل وأهدافهم، ورؤيتهم العامة للحياة. إننا نملك الجرأة على القول: إن فقد الإنسان لأهدافه الكبرى وغاياته النهائية، قد جعله يفقد السيطرة على أشياء كثيرة، ومنها "العلم".

وليس بخاف ما تفعله الشركات التجارية والدول الاستعمارية من استخدام للمعرفة في السيطرة على مصائر الشعوب الضعيفة، بل نقول إن الدول الصناعية الكبرى، تستخدم المنجزات العلمية -استهدافا لمزيد من الربح- في تدمير البيئة العالمية، مما يعني تدمير نفسها في النهاية!، لكن من الضروري لأمّة الإسلام وهي تبحث في كل اتجاه عن سبل للتمدن والتقدم أن تعي حاجتها إلى تعميق رؤيتها للحياة، والإحساس بالأهداف الأساسية لوجودها، كلما امتلكت المزيد من الوسائل، والمزيد من المعرفة وإلا فإنه يمكن للعلم أن يكون وبالا عليها.

إن أهم سِمة للعلم الصحيح أن يجعل صاحبه أكثر خشية الله تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ فاطر: 28، كما أنه يساعده على معرفة الحق والاهتداء إلى الطريق الأقوم: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ سبأ: 6.

إن الحضارة الغربية تُركز في حركتها العلمية على "کیف" أي: على المعارف والأساليب والأدوات التي يمكن أن تحقق الغَلَبة والقوة والرفاهية، ولا يكاد الغربيون يهتمون بالجواب على "لماذا" أي: الأهداف والمحصلات النهائية لكل هذا العناء الإنساني.

أمّة الإسلام فقيرة في كل ما يتعلق بـ "كيف" وهي تسعى لامتلاك أطراف منه، لكن الخوف هو أن تنسى، وتُضيّع ما يتعلق بـ "لماذا" على مقدار ما تحصله مما يتعلق بـ "كيف" وآنذاك فإنها تفقد خصوصيتها الحضارية وإمكانات ريادتها، وتجرّ على نفسها من الوبال ما لا يمكن الآن معرفة أبعاده!!

-بتصرف-

المصدر: كتاب التربية والتعليم، د. عبد الكريم بكار، صفحة 109-111.

شاركنا بتعليقك