يمكن القول: إن التفكير الإبداعي عبارة عن نشاط ذهني منظم، يؤدي إلى نتائج وحلول تتصف بالجدّة والأصالة. إذا كنا نطالب بالتجديد، ونطالب بالنهوض والتقدم، فإن علينا أن نبدأ بوضع الأسس العقلية والفكرية والمعرفية التي تساعد الأجيال القادمة على إيجاد حلول للمشكلات الآسنة، وتلك التي يولدها العيش في عالم مكتظ بسكانه ومتزاحم على موارد محدودة، ومنفتح الشهية على الاستهلاك بشكل جنوني!. ومن وجه آخر، فإن المطلوب في القرن الحادي والعشرين ليس القراءة والكتابة والحساب، كما كان عليه الحال من قبل، وإنما المطلوب من الجيل الجديد أن يملك مهارات الاتصال والتقويم والتفكير الحاسم واستراتيجيات حل المشكلات ومهارات التنظيم والرجوع إلى المصادر واتخاذ القرارات في حالة وجود معلومات غير كافية، بالإضافة إلى القدرة على التعلم الذاتي ...
ومن أهم ما نقوم به من أجل كل هذا هو توفير بيئة، تساعد الناشئة على الإبداع والتجريب والكشف ورؤية الأشياء بطرق متعددة.
إن تدريب الأطفال والشباب على التفكير الإبداعي، يُعَد بحق مهمة وطنية كبرى، تحتاج إلى استنفار كل الجهود وحشد كل الطاقات، والحقيقة أن كل الأعمال التربوية الجليلة، تتكون في رحاب الأسرة، وتنمو برعايتها، ونلاحظ في هذا السياق أن الطفل حتى يبدع يحتاج إلى الشعور بشيئين أساسيين، هما الأمان والحرية، وهما يتوفران من خلال تعامل الأسرة مع أبنائها على أنهم كيانات فاعلة ومستقلة، مع تجنب إصدار الأحكام القاسية عليهم، مثل وصمهم بالغباء، أو عدم امتلاك الأهلية للنجاح، ولابد مع هذا من فهم عالمهم الخاص وتفهم وجهات نظرهم.
الطفل المبتكر يحتاج إلى بيئة يشعر فيها بالدفء والحنان من قبل الكبار مع الرغبة في صحبتهم طول حياته، ولا شك أن من العقبات التي تعترض الابتكار ما قد يلقاه الصغير من قمع الكبار لحريته في التعبير ومصادرتهم لتلك الحرية، وقد أدان "أنشتاین" في: (ملاحظات في سيرته الذاتية) الأساليب التربوية الخشنة والمتحكمة حين قال: قد كان على المرء أن يحشو عقله بكل هذه المواد سواء أكان يحبها أم لا، وكان لهذا أثر، بلغ من سوئه أنني وجدت عندما اجتزت الامتحان النهائي أن النظر في أي مشكلات عملية، أمر بغيض مدة عام كامل. وقال متذمراً: "أما أن أساليب التدريس الحديثة لم تخنق حب الاستطلاع المقدس بعد فأمر يكاد يصل إلى حد المعجزة، فهذه النبتة الصغيرة الطرية تحتاج أكثر ما تحتاج إلى الحرية فضلا عن الحوافز، ومصيرها التلف لا محالة، إن لم تحصل على هذه الحرية، ومن الخطأ القاتل أن تعتقد أن متعة الرؤية والبحث يمكن أن تتعزز من خلال وسائل القهر والشعور بالواجب"، هذا النص الطويل لواحد من عمالقة القرن العشرين لعلنا ننهض لبناء مؤسسات تعليمية، تُوفر للمتعلم جوا يسوده التشويق والحرية عوضا عن الهيمنة والرتابة.
ما يهمني في هذا الشأن هو ألا يعتقد الآباء والمعلمون أن الحديث عن الإبداع، هو حديث عن شيء ترفيهي أو كمالي أو شيء خيالي يصعب الوصول إليه، إن الأمة في حاجة ماسة إلى الإبداع والمبدعين لأنها تعاني من تخلف شديد في معظم مجالات الحياة، والمبدعون هم الذين يعالجون مشكلاتها -على المستوى النظري على الأقل- ويفتحون أمامها طرقا جديدة للازدهار.
العالم كله في الحقيقة محتاج إلى الإبداع، وذلك من أجل أمرين أساسيين: الأوّل هو تأمين درجة من الحياة الطيبة لهذا البحر المتلاطم من البشر، والثاني هو إنعاش القيّم العظيمة التي لا تستقيم الحياة من غيرها، والتي تساعد على إدارة العنف في زمان تشتد فيه المنافسة والأثرة إلى مستويات غير مسبوقة!.
-بتصرف-
المصدر: كتاب تأسيس عقلية الطفل، د. عبد الكريم بكار، صفحة 91-94.
شاركنا بتعليقك