إسهامات

إذا تساءلنا: لماذا تهتم الأمم المتحضرة في كل زمان ومکان بمسألة التربية...؟

ولماذا تضعها ضمن أولوياتها ...؟ ولماذا تنفق عليها الكثير من جهودها وأموالها ....؟؟؟

لو تساءلنا عن ذلك لوجدنا أنه مهما بذل في سبيل بناء الأجيال من جهدٍ ومال ووقت فإنه يكون قليلا وذلك إذا نظرنا إلى الثمار العظيمة التي تترتب على جهود التربية، والأضرار الإنسانية الهائلة التي تترتب على إهمال التربية والعناية بشأن الأطفال.

الحيوان حين يولد يملك كل مقومات نوعه، فخطوط الغريزة التي أودعها الباري سبحانه فيه تُسيره وتدفعه دفعاً نحو النضج التام دون أن يحتاج إلى تدريب أو تعلیم...

أما الإنسان فإنه ليس كذلك؛ فحين يولد لا يملك شيئا من مقومات الإنسانية، لا اللغة، ولا الفكر ولا المشاعر ولا معايير الخطأ والصواب، وعليه أن يكتسب كل ذلك بالتربية.

ولهذا كان التفاوت الكبير: بين إنسان الغابة الذي لا يحسن سوی جني الثمار وإنسان يقود طائرة حديثة.وبين إنسان تسيره الغرائز وإنسان تقوده المعرفة والحكمة.

ولهذا قالوا: إن ولد الإنسان لا يصبح إنساناً إلا إذا رباه إنسان.

ولهذا أيضا أرشد الباري عز وجل البشرية إلى تشييد الحياة الأسرية، التي توفر الرعاية والتربية والتدريب لأبنائها.

ولهذا المعنى أيضا جعل الله سبحانه وتعالى مدة الطفولة لدى الإنسان أطول منها عند الحيوان.. فإذا قلنا: إن متوسط عمر الإنسان ستون سنة، فإن مدة الطفولة لديه تشكل ربع هذه المدة.

على حين إن متوسط عمر القط مثلا هو ثماني سنوات، ومدة الطفولة لديه ثلاثة أشهر.

مدة الطفولة -الطويلة نسبيا- تساعد الإنسان على التكوُّن والتأهيل للقيام بحق الخلافة في الأرض، والاستعداد لاستيعاب رسالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأداء التكاليف التي يقتضيها الإيمان بتلك الرسالات.

إن الإنسان لا يفتأ يتعلم وينمو ويتربى مدى الحياة، لكن السنوات الأولى من عمره تتفرد بأهمية خاصة؛ لأن كل الخطوات الأساسية في شخصية الطفل ترسم في السنوات الخمس الأولى والسنوات الثلاث الأولى من هذه الخمس هي بمثابة ولادة ثانية له وما يأتي بعد ذلك في المدرسة من تربية وتعليم لا يعدو أن يكون تعميقاً وتفصيلا وتکميلا لما سبق.

وتفيد إحدى الدراسات أن الإنسان يقضي من ثلاثين إلى أربعين من عمره وهو يحاول التغلب على ما حمل من مشکلات وانطباعات خاطئة ومفاهيم سيئة في السنوات الخمس الأولى من عمره وقد يتمكن من التغلب عليها وقد لا يتمكن.

يقول ابن القيم رحمه الله: "فمن أهمل تعلیم ولده ما ينفعه، و ترکه سدىً فقد أساء غاية الإساءة".

وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم بترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارا.

إننا إذ نربي لا نقدم هدية لأبنائنا، ولا نقوم بعمل تطوعي، وإنما نحاول بذلك أن نقوم بجزء مما التزمنا به من واجبات و آداب حين ارتضينا بالإسلام دينا لنا، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ .. التحریم: 6.

ووقاية النفس والأهل من النار تكون بمتابعة المسلم نفسه وأهله، فيأمرهم بالخير ويحجزهم عن الشر، ويؤاخذهم بما يؤاخذ به نفسه ... وسوف يسأل كل واحد منا عما استرعاه الله إياه، على نحو ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها". وقال ﷺ: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه: حفظ أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته".

_بتصرف_

المرجع: كتاب: هكذا يكون الآباء، عبد الكريم بكار، دار الخلدونية، 2014، ص4-7.

شاركنا بتعليقك