إسهامات

اختارت الجزائر يوم 16 أفريل من كل عام ليكون يوما وطنيا للعلم، وهو اليوم الذي توفي فيه العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله-، وذلك ترسيخا لقيمة العلم وأهميته في حياة المجتمعات وبنائها، وتخليدا لكل من خدم العلم في هذه البلاد، وعلى رأسهم الشيخ ابن باديس -رحمه الله-، وهي القيمة التي عملت جمعية العلماء على ترسيخها في جميع أعمالها وانشطتها، حيث أن العلم نور، ومن اكتسب النور حيزت له الدنيا وما فيها.

والعلم المنتج في حياة النّاس، هو العلم الذي ارتبط بالأخلاق وبالقيم الحضارية والدينية والسياسية؛ بل وارتبط بجميع مناحي حياة الإنسان، ابتداء من الإيمان بالله واليوم والآخر، حيث لا يقبل الله إيمانا مبني على الجهل، وانتهاء بآخر سلوك يسلكه الإنسان مع ما يحيط به في الحياة؛ لأنّ كلّ سلوك لا يبنى على علم، هو عبث…، والانسان مكلف لا يقبل منه العبث.

لو أردنا تعريف العلم لما وجدناه أكثر من "معرفة الشيء على ما هو به"، أو "معرفة الشيء على ما هو عليه" كما يقول العلماء، أي معرفة العناصر التي يركب منها الشيء؟ وكيف هي؟ وما خصائصها؟ أو معرفة الشيء كما هو: مما هو مركب؟ وكيف هو مركب؟… الخ. في حين أن الفضول المعرفي عند الإنسان لا يقف عند هذا الحد، وإنما يتطلع إلى كلّ إجابة وافية على كل ما يحيط به: كيف؟ ولماذا؟ كيف كان هذا الأمر؟ ولماذا جاء بهذا الشكل أو بهذه الصفة؟ ولماذا وجد؟ وما الغاية منه؟

والعلم بهذا التعريف، لا شك أنه مفيد ولكنه لا يستجيب لما يريد الانسان، ولما يسعد به في حياته، لأنه يقف عند حد معين من العلم، وهو الإجابة على السؤال كيف؟ ولا يتجاوزه إلى الأنفع والأصلح وهو الإجابة عن لماذا؟ لأن كل شيء خلق لغاية معينة، ولم يخلق عبثا. فعلنا -مثلا- بأن البيت يبنى بالإسمنت والأحجار والماء، ويقوم ببنائه البناء والعمال الذين معه، هذا الحد من العلم يمثل جزء من المعرفة بالبيت، ولكن المهم أيضا، معرفة لماذا تبنى البيوت؟ وما الفائدة من بنائها؟

ولذلك اهتمت جمعية العلماء في عهديها الأول والثاني بالتربية إلى جانب التحصيل العلمي؛ لأن الكم المعرفي الذي يحصله الإنسان في مساره الدراسي، قد يبني عقلا كبيرا، وقدرة على التفكيك والتركيب، وإحاطة بعلم ما أو تخصص ما، ولكنه يعجز عن بناء شخصية مميزة بخصائص معينة ومتوازنة، تجمع بين جوانب الفضول البشري كلها وتؤطره في قالب متكامل؛ لأن بناء الشخصية يحتاج إلى معرفة قيمية متعلقة بالإنسان من حيث هو انسان مكلف ولم يخلق عبثا، تضاف إلى الكم العلمي او المعرفي في شتى العلوم.

قد يقول قائل، إنّ ذلك مجاله العلوم الإنسانية، والواقع أن العلوم الإنسانية، من حيث هي علوم، قد تجيب عن بعض انشغالات الإنسان، ولكن إجاباتها تبقى أجوبة علمية تقنية، تحتاج إلى روافد أخرى، قد يوجد بعضها في علم الأخلاق، ويوجد بعضها الآخر في العلوم الدينية، ويوجد بعضها في الأعراف البشرية المتنوعة؛ لأن أسئلة الإنسان أعمق من العلوم التي يكتشفها العلماء والخبراء.. ولو كان العلم كافيا لحياة الإنسان، لاستغنى عن الفن وعن الدين والأعراف التي تفرض نفسها عليه.

ولذلك كان الذي حافظ على الشخصية الجزائرية، هو البناء التربوي الذي تلقاه الجزائري في الأسرة وفي المدرسة الوطنية بجميع فصائلها، وليس الكم المعرفي الذي حصلته.

وهذا المعنى هو الذي تحاول منظومتنا التربوية استبعاده من المقررات التعليمية، وهو الذي نريد تبليغه للمسؤولين على قطاع التعليم في بلادنا، فهم يريدون بناء منظومة تربوية على الكم المعرفي، على حساب الجانب القيمي للمواطن، ونحن نريد لهذا الكم المعرفي أن يكون مؤطرا بعالم القيم الحضارية، الأخلاقية، الدينية والسياسية...؛ لأن الجزائري جزائري قبل أن يكون عالما أو جاهلا.. فإذا كان هذا العلم الذي يحصله أبناءنا بحجة العولمة يفقدهم انتماءهم الجزائري، فهو علم يرشحنا للذوبان في أطر أخرى، ومن ثم فهو علم لا يقل سوءا عن الجهل الذي يغلق علينا منافذ العالم تماما.

إن العلم المطلوب هو الذي ينمي فينا التوازن البشري، بالانفتاح على العالم مه المحافظة على خصوصياتنا الوطنية.

إننا اليوم نملك كماً معرفياً هائلاً، ولدينا إطارات من الشباب في جميع المجالات، وهذا شيء تفخر به الجزائر، ولكنه كمٌ معرفي ناقص؛ لأنه يفتقر إلى الجانب المعنوي، الذي يمثل الرافد الضروري، الذي يحتاج إليه في البناء الاجتماعي داخل الأسرة وفي القرية وفي المدينة، وفي التنظيمات الحزبية والجمعوية والنقابية؛ بل في إطار بناء الدولة؛ لأن هذه المجالات كلها تحتاج -إلى جانب الكم المعرفي- إلى آليات تنقل تلك المعرفة إلى سلوكيات، يتصرف بها الناس وفق ما يخدمهم جميعا، وهذه الآليات هي الثقافة؛ لأن الثقافة هي "ما يبقى عندما ننسى كل ما تعلمناه في المدارس" كما يقال.

والثقافة في جوهرها هي نقل المعرفة إلى حركة اجتماعية؛ لأن الثقافة كما يقول بن نبي -رحمه الله-: "هي نظرية في السلوك أكثر منها نظرية في المعرفة"، ثم إن التحصيل العلمي بالنسبة للثقافة والسلوك الاجتماعي، مثل الأطعمة التي نتناولها، فهي أطعمة كثيرة ومتنوعة، ولكنها تذهب كلها ولا يبقى منها إلا القليل الذي ينتفع منه الجسم.

المصدر: موقع عبد الحميد بن باديس

شاركنا بتعليقك