إن عناية الإسلام بالمسافرين الغرباء والمنقطعين لهي عناية فذَّة، لم يُعرف لها نظير في نظام من الأنظمة أو شريعة من الشرائع، وهي لون من ألوان التكافل الاجتماعي فريد في بابه، فلم يكتف النظام الإسلامي بسد الحاجات الدائمة للمواطنين في دولته، بل زاد على ذلك برعاية الحاجات الطارئة التي تعرض للناس لأسباب وظروف شتى كالسياحة والضرب في الأرض، وخاصة في عصور لم تكن في طرق المسافرين بها فنادق أو مطاعم أو محطات مُعدة للاستراحة كما في عصرنا.
وفي الواقع العملي نجد ابن سعد يروي لنا: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- اتخذ في عهده دارًا خاصة أطلق عليها "دار الدقيق"، وذلك أنه جعل فيها الدقيق والسويق والتمر والزبيب وما يُحتاج إليه، يعين به المنقطع به، والضيف ينزل بعمر، ووضع عمر طريق السبل ما بين مكة والمدينة ما يصلح من ينقطع به، ويحمل من ماء إلى ماء.
وفي عهد خامس الخلفاء الراشدين عمر بن العزيز يحدثنا أبو عبيد أنه أمر الإمام ابن شهاب الزهدي أن يكتب له السنَّة في مواضع الصدقة، أي ما يحفظه من سنَّة الرسول ﷺ أو سنة الراشدين في المواضع التي تصرف فيها الصدقة، فكتب له كتابا مطولا، قسمها فيه سهما سهمًا، ومما جاء في الكتاب عن ابن السبيل قوله: "وسهم ابن السبيل يقسم لكل طريق على قدر من يسلكها ويمر بها من الناس، لكل رجل راحل من ابن السبيل، ليس له مأوى ولا أهل يأوي إليهم، فيطعم حتى يجد منزلا أو يقضي حاجته، ويجعل في منازل معلومة على أيدي أمناء، لا يمر ابن سبيل له حاجة إلا آووه وأطعموه، وعلفوا دابته، حتى ينفد ما بأيديهم إن شاء الله".
فهل رأت البشرية رعاية لذوي الحاجات مثل هذه الرعاية في نظام الإسلام، أو أمّة غير أمّة الإسلام؟!
-بتصرف-
المصدر: كتاب: فقه الزكاة، يوسف القرضاوي، ص 641، 642.
شاركنا بتعليقك