إسهامات

أروع مثل، أعلى وأطهر عادة فاضلة اهتدى إليها السكان الإباضية في وادي مزاب لحفظ الكيان النسوي من التفسخ والانحلال والبرودة والشذوذ الأنثوي الذي اكتسح عالم المرأة في القرن العشرين بدعوى التقدم والتطور ورفع مستوى المرأة إلى مقام الرجل العصري المتأنق حتى أصبحت أم المشكلات رغم كل مكابر وجحود هذا المثل الرائع والعادة الطاهرة هو المؤتمر النسوي الذي يطلق عليه "مؤتمر لا إله إلا الله".

إن لهذا المؤتمر النسوي الذي يعقد سنويا في كل مدن مزاب قوة روحية دينية في التأثير العميق في التوجيه الديني والخلقي والاقتصادي والاجتماعي في الوسط العائلي ومقاومة الانحرافات الزوجية والعائلية واتخاذ الحلول للمشاكل الطارئة والمتجددة في الحياة العامة التي تضمن للمرأة الحصانة الدينية والخلقية ونظافة البيئة، ولذلك كان إقبال جمهور النساء على حضوره عظيما يتخذنه عيدا سنويا لما يبدينه فيه من حفاوة بالوافدات وما يغمرهن من الشعور الديني والصفاء الروحي بالتزاور والتعارف والتناصح والتعاون على الصالح العام.

يعقد مؤتمر لا إلاه الا الله في فصل الربيع من كل سنة وغالبا في النصف الأخير من شهر ماي في المدن الخمس غرداية ومليكة وبن يزقن وبونورة والعطف وأما مدينتي بريان والقرارة تقيمانه على انفراد لبعد المسافة بينهما وبين المدن الأخرى تحت إشراف المساجد وإشراف إدارة جماعات الغسالات ومعيناتهن والمرشدات المثقفات الصالحات من هذه المدن.

يعقد أول اجتماع عام في مسجد الشيخ أبي عبد الرحمن الكرثي فتتخذ فيه الإجراءات اللازمة لجلسات المدن المذكورة ويفتحن فيه مجال البحث فيما استجد من المسائل أو طرأ من المشاكل في نطاق الدين والأخلاق والسلوك عموما ويقررن أيام الجلسات في المدن لتستعد كل مدينة لاستقبال الوافدات في نظام بديع وتستغرق الجلسة فيها يوما كاملا حافلا بالتذكير والتوجيه وتلاوة الذكر الحكيم وتوزيع الصدقات يتخلله فترة راحة للصلاة، ولو اطلع قاسم أمين، وهدى شعراوي، وولي الدين يكن، ومعروف الرصافي وغيرهم ممن يتحدى قانون الفطرة على هذه العوائد الفاضلة التي تسمو بالروح والقيم لأدركوا لأول وهلة أن المرأة المزابية التي ظنوها منكمشة محرومة من كل حق قد حررتها رسالة السماء في أعلى مستوى عبر القرون العديدة والأجيال البعيدة فهي في غنى عن غثاء وهراء الغرب وهرف المتشرعين من دعاة الحرية المطلقة.

حتى أصبحت أنثاهم في بحر الحياة موج متلاطم من أخطاء متكسر على صخور ناتئة من مشاكل عائلية واجتماعية وأصبحت بالعري والمساحيق والاختلاط المزري نمطا ثانيا للمرأة في بؤرة الحيوان والانصراف والإلحاد وألمع ميزة فيها عن غيرها أنها تسمعك في بعض ثوان من لسان سليط فرنسة وليا وتبجحا وهذرا كشكولا من جنون سرعة القرن العشرين بلا طائل ولا جدوى.

انصفوها في ما لها وما عليها وظلموها في ما ليس لها وفي ما لا يشرفها.

لها أن تمارس ثـقـل الحــيــاة            على حذر لو يصح الحذر

لها أن تُرى في معاني الوجود         وليس لها أن تُرى كالذكــر

المصدر: كتاب نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية، حمو محمد عيسى النوري، صفحة 176-177.

شاركنا بتعليقك