إسهامات

ذات الإنسان مشتتة بين ماض تنتسب إليه، وبين حاضر تكابد همومه، وتعيش أفراحه، وبين مستقبل ترنو إليه تارة، وتخشاه تارة أخرى، هذه الأبعاد الثلاثة، تمثل فضاءات متلاحمة، يتقلب فيها الإنسان من حال إلى أخرى.

ومع تعود الإنسان الشعور بالقوة والسيطرة تجاه هذه الفضاءات، إلا أن الحقيقة أنه يُبدي الكثير من الارتباك حيال كل منها بسبب أن أنساقه الفكرية وأدواته التي يمكن أن يستوعب من خلالها هذه الأبعاد ليست كاملة.

كر الأيام والليالي، وتنوع الظروف وتجدد الحاجات، وتغير المعطيات العلمية ... كل ذلك ينضج خبراتنا في بعض المسائل، لكنه يثير في وجوهنا مزيدا من الأسئلة، ويدفعنا باتجاه مزيد من الشكوك في مسائل أخرى. ولذا فالحيرة والتردد وعدم اليقين أشياء ملازمة للبشر، مهما أوتوا من سعة الاطلاع ونفاذ الرؤية.

إن المسلم محظوظ ومُعان في هذه المسالة -كما في كثير غيرها- فالثوابت العقدية والمنهجية التي أكرمنا الله بها، تملكنا الكثير من الأطر والأسس التي تسعفنا في التعامل مع القديم، كما تسعفنا في فهم الواقع، واجتراح المستقبل، وإعداد العدة له؛ لكن ذلك لا يعفينا من الاجتهاد، ولا سيما عند التعامل مع المسائل الجزئية.

وسنة الابتلاء بالخير والشر، والمرافق والمخالف، تفرض علينا أن ننمي وعينا، وأن نشحذ بصيرتنا من أجل النجاح في إيجاد التناغم بين الماضي والمستقبل، وتأسيس نقاط الاتصال والارتكاز التي تساعدنا على الاستنارة بتراكم ما استفدناه من خبرات تاريخية واجتماعية في رؤيتنا للمستقبل، وفي تعاملنا مع الأشياء الجديدة، وفي تجديدنا لأبنيتنا الحضارية على نحو ينسجم مع مقتضيات الاستخلاف، كما ينسجم مع متطلبات الحياة المعاصرة في صعدها المختلفة.

المصدر: كتاب تجديد الوعي، عبد الكريم بكار، صفحة 145، 146.

شاركنا بتعليقك