إسهامات

الطبيعة البشرية طبيعة تكاملية تعويضية، فحين تنسد آفاق النمو والتفتح أمام جانب من جوانبها، فإنها توجه طاقات نموها نحو الجوانب والآفاق المفتوحة، وقد يحدث نتيجة ذلك خلل في حياة الفرد، وفي حياة الجماعة أيضا، في القرنين السابع عشر والثامن عشر أخذ الفلاسفة في الغرب يروجون لجعل الهدف الرئيسي في الحياة هو تحقيق رغبات الإنسان، وصارت كلمة (كسْب) التي تعني الكسب الروحي في المفهوم اللاهوتي مقصورة على المحتوى المادي والربح النقدي باعتباره المدخل الرئيس الشعور الإنسان بالتميز، وأخذ السلوك الاقتصادي يتحرر شيئا فشيئا من المبادئ الأخلاقية، بعد أن كانت مقولات اقتصادية، مثل الثمن والملكية الخاصة عند أتباع المدرسة الفلسفية جزءا من علم الأخلاق.

وهكذا تقّعَدَ في حس الإنسان الغربي نوع من التقديس للمال باعتباره المفتاح الذي يفتح كل الأقفال! لكن مشكلة المشكلات في الاقتصاد كله هي (الندرة) ولولا الندرة ما نشأ شيء اسمه (علم اقتصاد) فالمعروض من المال أصلا أقل من المطلوب بالإضافة إلى أن الإنسان لا يشبع منه، كما ورد في الحديث: "لو أن لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له وادیان ...".

وانتقلت الموجة إلى ديار المسلمين، وصاحب ذلك أوضاع سياسية واجتماعية بائسة؛ مما دفع كثيرة من الناس إلى اعتبار جمع المال وتثميره الميدان الأرحب المحرر لكل أنشطتهم.

والمشكلة أننا حين نكبت النشاط الروحي والأدبي والاجتماعي، فإننا نكون آنذاك قد اختزلنا كل الفروق بين الناس، وكل مجالات التنافس وتحقيق الذات إلى مجال واحد، هو امتلاك المال، ويكون الحال آنذاك مروعة، حيث يشحن المجتمع بروح الحقد والحسد والجشع والعنف.

وهذه المرحلة من التهافت على جمع المال أسلمتنا إلى مرحلة أخرى، لابد لمالك المال منها، وهي مرحلة ثقافة (الاستهلاك العظيم) وهي ثقافة غربية المنشأ، تروج لها أساسا الشركات المتعددة الجنسيات، وقد صارت ثقافتنا الإسلامية كلها في خطر.

ليس أمامنا من حلول سوى أن ننمي داخل ثقافتنا قيم القناعة والإقبال على الآخرة والحرية والانفتاح والحوار والعدالة والتعاون، ذلك أن هذه القيم هي التي تجعل ثقافة أكثر جاذبية من ثقافة أخرى.

ولو أن فلسفة الملكية في الإسلام تجذرت في فكرنا ومشاعرنا لخبا الكثير من وهج المال وبريقه، حيث يضفي على الملكية الخاصة طابع الوكالة والاستخلاف، فالمسلم مستخلف في المال، وعليه أن يضعه حيث يأمره المالك الأصلي -جل وعلا- وحين أعطى الإسلام للمال مفهوم الخلافة جرده من كل الامتيازات المعنوية التي اقترنت بوجوده على مر الزمن، فالملكية أداة وليست غاية، ومن ثم فإن على من يجمع الثروة أن يلاحظ الجانب الوظيفي لها.

ومن جانب آخر فإن غنى الحياة بعلاقات المودة والتراحم والتضامن، كما أن انتشار العلم والمعرفة وتفتح آفاق الأنشطة الفكرية والروحية مما يساعد على تحطيم الكثير من جاذبية المال والتملك والمظهرية الفارغة، وقد دلت بعض الدراسات على انخفاض تأثير الدخل في حصول السعادة، حيث لا يتجاوز ذلك التأثير أكثر من 20 بالألف. وفي دراسة على (نوعية الحياة الأمريكية) قدر الأفراد أن مستواهم المالي من أقل العوامل تأثيرا في مستوى رضاهم عن حياتهم؛ فالمال مثلا أقل تأثيرا في السعادة من العلاقات الاجتماعية، كما ثبت أيضا أن تأثير الدخل في سعادة ذوي التعليم المرتفع أقل، نعم يمكن للمزيد من الثراء أن يؤدي إلى إزالة الهموم المادية، ولكن ربما تتحول بؤرة الهموم إلى مشكلات شخصية، ومشكلات في العلاقات مع الآخرين، بحيث لا يمكن للمال أن يحلها، وتدل بعض الدراسات على أن (الاكتئاب) يقل شيوعه لدى الشعوب التي تتميز بالأسر الكبيرة، وتلك التي تتمتع بدرجة أعلى من التضامن الاجتماعي، وهكذا يمكن لنا من خلال إدراك العلاقات بين الأشياء أن نكسر من سورة الجشع المادي والتزاحم على المال، حين نقوي روح الأخوة، وننشر العلم، ونغذي الروح بالذكر، ونسقي الإيمان بالأعمال الصالحة.

المصدر: كتاب "مدخل إلى التنمية المتكاملة رؤية إسلامية"، د. عبد الكريم بكار، صفحة 27-30.

شاركنا بتعليقك