إسهامات

إن من شروط الفعالية حدوث شعور للإنسان بأنه يملك شيئا يمكن أن يقدمه للآخرين، وهم بحاجة إليه، فحدوث هذا الشعور عنده يكون سببا لفعاليته ونشاطه، ويمكن أن يتضح ذلك إذا نظرنا إلى العكس: وهو أن الإنسان إذا لم يكن عنده شيء يقدمه للآخرين، أو على الأقل يشعره بإسهامه معهم، يصيبه الانطواء والخمول، بل قد يبلغ به الأمر إلى درجة أن يفقد كل مسوغ لوجوده مما يؤدي إلى الانتحار أحيانا، ويمكن أن يلاحظ ذلك في أدق الأعمال وأيسرها.

ويلاحظ في الإنسان الذي يحسن شيئا يحتاج إليه الآخرون حيث يشعره ذلك بقيمته، ويجعله فعّالاً، في بيانه وتطبيقه، هذا في المستوى الفردي والعمل البسيط، ويمكن أن يرى ذلك في مستوى المجتمعات والحضارات الكبرى، فإن المسلمين حين انطلقوا بأقصى توتر في الفعالية شهده العالم كانوا يشعرون بأن الله ابتعثهم ليقدموا للعالم حقيقة هذا الدين الذي يكرم الإنسان ويخرجه من ذلك العبودية، فكان أصغر جندي في عسكرهم يشعر بهذه المهمة حين كان يقول معبراً عن مهمته بأنه مستنفر لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

بينما المسلم الآن لا يدرك أنه يملك شيئا يقدمه للعالم، أو العالم بحاجة إليه، ولن يتأتى للمسلم هذا الشعور إلا إذا عرف جيّدا مشكلات العالم وما يعانيه، وحقيقة ما يمكن أن يقدمه الإسلام لهذا العالم.

وحتى العالم الغربي لم تحدث لديه الفعالية، إلا بعد أن شعر أنه موضع عناية القدر، وأنه يملك مالاً يملكه أحد من الناس من العلم والفهم للحياة.

والمسلمون إزاء هذا ينقسمون إلى قسمين في هذا الزمان: قسم أصابه اليأس من أن يوجد في الإسلام شيء يمكن أن يكون العالم في حاجة إليه؛ فهو مُعرِضٌ عن الإسلام ومتطلع إلى غيره ليسترفد منها ما يكمل به نفسه، وقسم آخر اعتاد أن يحفظ كلمات في مدح الإسلام، وأن ينسب إليه كل الصفات الجيّدة، دون أن يتمكن من أن يحل بواسطة هذا الإسلام الذي يمدحه مشكلاته البيتية فضلاً عن أن يرتفع إلى مستوى حل المشكلات العالمية، بل ينعكس عجزه الداخلي بصورة أكبر في المستوى العالمي، وهذا دليل أن ما يغدقه للإسلام من مدائح إنما هو تعويض سيئ عن عجزه في أن يحول مبادئ الإسلام إلى حقائق واقعية.

فإذا ما تحقق الإنسان من أهمية جهده في صنع أحداث التاريخ، وأدرك في جانب ذلك، أنه يملك الشيء الذي يفتقده العالم للتغلب على مشكلاته، أصبح قادرا على أن يكون آمراً بالعدل، وشعوره هذا شرط أساسي لذلك، فإن من لا يفهم أنه يملك أفكار عادلة وأعمالا صالحة، يمكن أن يُخرِج بها الناس من الظلم والظلمات، لا يمكن أن یکون آمر بالعدل، ولهذا كانت مهمة الرسالات (إخراج الناس من الظلمات إلى النور).

وينبغي أن لا يفوتنا الفارق بين أن يكون العمل مسجلا في الكتاب، وبين أن يصير الإنسان قادرا على إخراج الناس من الظلمات إلى النور وهذا ما حذر منه الرسول ﷺ في حديث زياد بن لبيد إذ إن صيرورة الأمة إلى عدم انتفاعها بشيء مما في كتابها، خاضعة لسنة ويمكن لجهد البشر أن يتدخل فيها.

فإذا توفر إدراك أثر جهد الإنسان والمسوغ لأمة من الأمم، يكون ذلك سببا في ارتفاع درجة الفعالية التي تشيع في جميع أفراد الأمة من صغيرها إلى كبيرها، ومن رجالها إلى نسائها، فإن هذه المفاهيم كالغيث إبان الربيع، يسهم في تحريك النباتات والبراعم في كل مكان.

المصدر: كتاب الانسان كلا وعدلا، جودت سعيد، صفحة 53-55.

شاركنا بتعليقك