إسهامات

ساهم بني مزاب مساهمة اجتماعية واضحة من خلال إدارتهم لعدة مرافق صحية وعمومية، كان لها الأثر البالغ في الحياة اليومية لسكان مدينة الجزائر، انعكست إيجابيا على سلوكاتهم اليومية في كثير من الأحيان وبواسطتها اكتسبوا عادات وطباع بقيت متوارثة بينهم، ومن هذه المرافق:

1. الحمامات:

كما سبق وأن تكلمنا عنه في سابق حديثنا عن الانشطة المهنية الممارسة من طرف بني مزاب، فهذه الأخيرة كانت تدار وفق نظام دقيق وتسيير محكم وتوقيت مضبوط يراعي بعض تعاليم الشريعة الإسلامية، فلا اختلاط في الحمام بين الجنسين، فإذا أتيت متأخرا عن التوقيت المسموح به تنتظر دورك إلى نهار اليوم الموالي بحكم أن الفترة المسموح بها للذكور تنطلق من الصباح الباكر إلى منتصف النهار وهي الفترة المسموح بها للعنصر النسوي والتي تنتهي إلى الخامسة مساءا وهي بداية فترة ثالثة تخص إناث لم يكن مسموح لهن بالاختلاط بالمتدينين وهن النساء العموميات، وكان وجودهن بالمدينة ضرورة ملحة حتمها النظام الداخلي للمؤسسة العسكرية الذي يقتضي أن يبقى الجنود في حالة عزوبة فيلجأ إليهن هؤلاء الجنود للتسلية وللقضاء على بعض الآفات الاجتماعية التي قد تنجم عن الوحدة والعزوبية.

فمن هذه الزاوية يكون إسهام وتأثير بني مزاب في المجتمع واضحا من خلال تنظيم أوقات الأفراد وملء فراغهم وخلف ساعات قليلة في بداية اليوم أو نهايته للترفيه عن النفس ولقضاء مآرب أخرى، ناهيك عن أن الحمامات التي كانوا يديرونها كانت بمثابة ملتقى لتبادل أطراف الحديث ولاستعراض مختلف الآراء، وفسحة للأمل والنقاش حيث يتم فيها فتح النقاش في مواضيع عديدة لها صلة مباشرة باهتمامات الحياة اليومية من بيع وشراء وعقد للصفقات و «سمسرة» ووساطة إلى غير ذلك من المعاملات المختلفة.

والشيء الأكيد الذي نلمسه من خلال ما تقدم أن تأثير بني مزاب على المجتمع مس عقيدة وعادات وتقاليد الأفراد، بل حتى أنه ساهم في خلق عادات جديدة من خلال واحد من المرافق التي كانت تحت إدارة الجماعة.

2. الفنادق:

ثاني مساهمة مزابية نلخصها في المجال الاجتماعي والثقافي وذلك من خلال أحد أهم المعالم البارزة في المدينة والتي تلعب دورا بالغ الأهمية من الناحية الاقتصادية ألا وهو الفندق، واستطاع بني مزاب من خلال إدارتهم للفنادق من نقل طابع عمراني عثماني إلى الجزائر بحيث كان صورةً طبق الأصل للفنادق الموجودة في كل الأقاليم التابعة للدولة العثمانية من حيث الهيكلة العمرانية سواءً من حيث عدد الطوابق أو من خلال بابه الكبيرة والعالية وغرفه المتنوعة.

ومن جهة أخرى ساهم بنو مزاب في تخفيف الضغط على الحمامات ليلا بحيث أنها كانت مفتوحة لعابري السبيل والمسافرين والتجار البسطاء للمبيت ليلا، وضمن بنو مزاب بذلك عدم اختلاط هؤلاء النزلاء ببقية السكان، فظل احتمال انتشار أوبئة وأمراض عبر العدوى ضئيلا جدا، ومن هنا تظهر مساهمتهم الغير مباشرة في الإبقاء على صحة وسلامة السكان واضحة، بالإضافة إلى ما ساهموا فيه بواسطة المرافق الصحية والمائية التي تحدثنا عنها سابقا.

3. الحلاقة:

ومن الاسهامات المزابية الأخرى داخل مجتمع المدينة تلك التي صنعها بعض أفراد الجماعة ممن يمتهنون مهنة الحلاقة "الحفافة"، بحيث نجد بعضهم يمتلكون محلات للحلاقة على مداخل المدينة عبر أبوابها البرية والبحرية:

(باب عزون، باب الوادي، باب البحر..)، وقد اختاروا هذه الأماكن نظرا لدخول الوافدين والمسافرين منها، وكانوا ينزلون بها قبل توغلهم داخل المدينة، فكان هؤلاء المسافرون يجدون فيها فرصة للتزين والاستراحة من عناء السفر قبل الدخول إلى المدينة والالتقاء بالأهل في أحسن صورة، فأصبحت هذه عادة وسنة متبعة لكل مسافر وانطبعت على سلوكات قاطني المدينة وغير قاطنيها من الوافدين والزوار الذين كانوا يقصدونها.

الدور الاجتماعي للمزابيين في مدينة الجزائر:

ولم يعد المتجر أو المحل المزابي مؤسسة اقتصادية فقط، وإنما أصبح إلى جانب ذلك خلية اجتماعية تضم أرباب العمل والعمال البسطاء حيث يقومون باقتسام العمل الواحد والمسكن الواحد والمحل الواحد، ويقومون بتناول الوجبات حول نفس المائدة ويحتسون من مشروب واحد، في جو مفعم بالثقة والاطمئنان والتعاون والنصح وشحن الهمم، وهي صفات لفتت انتباه الكثير ممن كان يلحظهم، فكتب عن صفاتهم وأخلاقهم وعاداتهم الكثيرون فــ "شالر" (SHALER) حين يحدثنا عنهم يقول: "هم قوم هادئون نشيطون في التجارة ومشهورون بالأمانة والنزاهة في الأعمال ..."، وشالر (SHALER) من الأجانب عن المدينة ولاحظ هذه الصفات وكتب عنها وهو الذي لم يمكث طويلا في الجزائر فكيف لساكني المدينة والدائمين ألاّ يتأثروا بهذه الصفات ويتربّوا عليها ويعاملون المزابيون بمثلها أو أكثر.

-بتصرف-

المصدر: مذكرة ماجيستر بعنوان: جماعة بني ميزاب وتفاعلاتها الاقتصادية والاجتماعية بمدينة الجزائر أواخر العهد العثماني، الباحث: محمد وقاد، ص184-186.

شاركنا بتعليقك