إسهامات

تكاد تكون الحياة في وادي مزاب إلى العهد القريب مستحيلة، فالـمزابي يتجشم مشاق فوق طاقة البشر لاستثمار تلك الأرض الجرداء وتكوين الحياة فيها، وناهيك أنه كان قبل حفر الآبار الارتوازية بها لا يحرُز الإنسان على قطرة ماء إلا إذا حفر بئرا يتراوح عمقها بين الخمسين والستين مترا.

ومزاب إلى يوم الناس هذا رغم توفر إمكانيات الري لا يحصل الإنسان فيه على نتاج تافه ضئيل من غرسه إلا إذا سقاه أولا بعرق جبينه قبل سقيه بماء العيون بالثمن الغالي أو المحركات الباهظة التكاليف وتعهده ليل نهار ببذل جهود مضنية متواصلة في محاربة الرياح الرملية وحرارة الرمضاء وضراوة البرد وآفات الحشرات والطيور الفتاكة. ثم لا يتحصل أخيرا إلا على نسبة ضئيلة في المائة من جملة ما يبذله من عنائه وماله سنويا على حقله أو بستانه غالبا.

نجد المزابي يتحمل تكاليف تلك الخسارة ويتجشم مسالك تملك الحياة الشاقة ومشاكلها برحب من الصدر في مقابل ما يجده من اطمئنان ومنعة في تلك الأرض وما يغمر جو عائلته وذويه من سعادة نفسية وجمال طبیعي وطهارة البيئة وحصانة دينية وأخلاقية في حرية بيضاء مقيدة بقانون السماء لا يكدر صفوها شائبة من شوائب وضع من أوضاع الأرض المائعة المتفسخة.

ذلك من حيث لا يغريه ما تغدقه سهول متيجة من خيرات وفيرة وبركات ببذل قليل من عناء بين آونة وأخرى من فصول السنة مع وفرة الامكانيات وسخاء الطبيعة وهي الأم الرؤوم تكفل له بإذن الله وفرة الغلال غالبا للتصدير للأسواق العالمية وللاستهلاك المحلي وللادخار.

-بتصرف-

المصدر: كتاب نبذة من حياة المزابيين، حمو محمد عيسى النوري، ص 145.

شاركنا بتعليقك