إسهامات

تخضع الحياة الاجتماعية لقانون (رد الفعل) كما تخضع له الميكانيكا، وبما أن الاستعمار في نوعه هو «فعل» المدنية الحاضرة، تسلطت به على الشعوب المستعمرة، فلا غرابة إذن أن يكون لذلك الفعل في تلك الشعوب «رد».

وإننا اليوم لنرى هذا «الرد» باديا في صور مختلفة من حياة العالم الإسلامي، وحري بنا أن نطلق على ذلك «الرد» الاسم الاصطلاحي الذي يعطينا له مدلولا أوضح.

فمن المعلوم أن علم البيولوجي وعلم الاجتماع عرفان هذا «الرد» بأنه: (اتجاه الفرد ونزوعه إلى التكيف مع الوسط الذي يعيش فيه)، ونعلم أيضا أن من قوانين التكيف «غريزة التشبه والاقتداء».

وبالفعل فإن أشكالا جديدة من السلوك بدأنا نراها في الجزائر مثلا، وهي ليست من عاداتنا، وهي موجودة في سائر بلاد العروبة والإسلام. فمن تلك الأشكال: تلك الأوضاع المثيرة التي تتخذها الفتاة لكي تلتفت إليها الأنظار وتخفق لها القلوب، وذلك الشاب ذو الشعر الطويل الذي يتحاشى النطق بالراء فينطقها (غينا).

ولو أننا حللنا حياة مجتمعنا لوجدنا فيه ألوان جديدة تدل في جملتها على نزعات متباينة واستعدادات فردية متنافرة، في مجتمع فقد توازنه القديم، ويبحث الآن عن توازن جديد.

ولقد غرس هذا التطور في حياتنا عددا من المتناقضات في أشياء مضحكة أحيانا ومبكية أخرى، فأب كريم ينتحر إثر موبقة ارتكبتها ابنته، التي كانت تتعلم، فلم تعرف كيف تتشبه بالفتاة الأوروبية المتعلمة. نعم إن مجتمعنا قد فقد توازنه القديم وهو لا يزال يتذبذب ولا يعرف له قرارة حتى اليوم، وإننا لنشاهد عدم الاستقرار هذا في أنفسنا، وفي تصوراتنا للأشياء حين تختلف باختلاف الناظرين إليها.

فهناك نظرة ذلك الشاب الذي يتغذى بثقافة ضيقة، قانعة بضيقها فهو يرى أن سعادة البشر قد ابتدأت مع القرن التاسع عشر بانتشار ما يسمى بالأفكار التحررية. وهناك من يشك في كل شيء ويرى المدنية معركة اقتصادية وأن تخليص الشعب لن يتأتى إلا بحيلة اقتصادية يحتالها المحتكرون، أو بكارثة مالية في السوق السوداء.

ومنا من ينظر النظرة المملوءة بالحقد، المطالبة بالرياء، فهو يرى المدنية في الأعراس الانتخابية والمظاهرات العمومية، وهو يظن أن خطبة يهتف لها تقلب النظام العالمي.

وهناك نظرة الشاب (السلفي) المملوءة بذكريات الماضي، فهو يظن أنه يغير نظام المجتمع بتطهير لغته وتطبيق النحو والصرف.

وهناك النظرة المخدرة، يرى صاحبها أن المثل الأعلى للمدنية يبرق في قعر كأسه ويلمع في جو الخمارة.

ومنا من يرى نجاة الشعوب في تحرير النساء، ويظن أنه ملك بيديه المدنية إذا ما فاز بامرأة عصرية.

وهناك المقتنع بحاله الذي لا يرى شيئا ولا يفهم شيئا ولا يبحث عن شيء، فهو قانع بدفع ضريبته، من غير أن يتساءل عن موجبها الاجتماعي.

وإن في هذه الوجهات المتعددة دليلا على درجات متعددة من التكيف مع مجرى الحضارة. وإلى هذه الوجهات يعود اختلاف الملابس، وتباين الأذواق وتنافر الآراء، وتباعد الأفراد وأحيانا اصطدام الجهود.

فإننا حتى في علاقاتنا الودية والعائلية نعيش في وسط كأنه متألف من أجناس متعددة ومتأثر بثقافات مختلفة، إننا قد انزلقنا في المتناقضات بسبب تفكيرنا الذي لم يتناول الموضوع بأكمله وإنما أجزاء منه.

ولو أننا درسنا الحضارة بالنظرة الشاملة، الخالية من الشهوات المبرأة من الأوهام لما وجدناها ألوانا متباينة ولا أشياء متناقضة ولا مظاهر متباعدة.

وما زالت هذه العقيدة الوثنية التي تقدس الأشخاص منتشرة في بلاد الإسلام، لم نتخلص منها، وإن كنا قد فعلنا شيئا فربما كان ذلك في استبدالنا وثنا بوثن.

فالتاجر الذي تنجح تجارته يجزم بلا تردد بأن النجاة في الاقتصاد، وآخرون يرون الشيء الوحيد في البيان وتزويق الكلام، وهكذا ننتقل من وهم لنتخبط في وهم، ولا ندري كم من السنين سوف نقضيها لندرك عجز (الأشياء الوحيدة) عن حل المشكلة التي هي مشكلة الحضارة أولا وقبل كل شيء.

إن من الواجب ألا توقفنا أخطاؤنا عن السير حثيثا نحو الحضارة الأصيلة، توقفنا خشية السخرية أو الكوارث، فإن الحياة تدعونا أن نسير دائما إلى الأمام، وإنما لا يجوز لنا أن يظل سيرنا نحو الحضارة فوضوية يستغله الرجل الوحيد، أو يضلله الشيء الوحيد، بل فليكن سيرنا علميا عقلية، حتى نرى أن الحضارة ليست أجزاء مبعثرة ملفقة ولا مظاهر خلابة وليست الشيء الوحيد، بل هي جوهر ينتظم جميع أشيائها وأفكارها وروحها ومظاهرها، وقطب يتجه نحو تاريخ الإنسانية.

وإن قضيتنا منوطة بذلك التركيب الذي من شأنه إزالة المتناقضات والمفارقات المنتشرة في مجتمعنا اليوم، وذلك بتخطيط ثقافة شاملة يحملها الغني والفقير، والجاهل والعالم، حتى يتم للأنفس استقرارها وانسجامها مع مجتمعها ذلك المجتمع الذي سوف يكون قد استوى على توازنه الجديد.

-بتصرف-

المصدر: كتاب مالك بن نبي شروط النهضة ص 211.

شاركنا بتعليقك