إسهامات

نشأة مدينة تلمسان وتطورها التاريخي

إن لمدينة تلمسان ماضيا تاريخيا هاما اكتسبته من موقعها الجغرافي الممتاز، ومن كونها كانت عاصمة للمغرب الأوسط الجزائر (أكثر من ثلاثة قرون) ازدهر خلالها الفكر، وأخصبت الحضارة وتطور العمران، واستهوت العديد من رجالات الفكر والسياسة والثقافة مما جعلها في الأخير مدينة الفن والثقافة والتاريخ.

ويتألف اسمها من كلمتين بربريتين هما: (تلم) ومعناها تجمع و(سان) ومعناها اثنان، ومعناهما معا (تجمع اثنين) الصحراء والتل بمعنى أنها تجمع بين طبيعة التل والصحراء لوقوعها في مكان ملائم لذلك، فهي تقع في سفح جبل طرارة، وتشرف على ساحل بحري.

آثار مدينة تلمسان التاريخية

تزخر مدينة تلمسان بآثار تاريخية هائلة ماتزال حتى اليوم تحكي عن عظمة هذه المدينة الفكرية والحضارية

والعمرانية، ومن أهمها:

قلعة المشور التي قاومت صروف الدهر قرونا، وتتوسط المدينة كالطود الشامخ. أنشأها الموحدون بعد سيطرتهم على المدينة في القرن الثاني عشر الميلادي وبداخلها للسكنى، ومسجد جامع جميل ما يزال حتى اليوم.

والمسجد الأعظم الذي أمر ببنائه الأمير المرابطي علي بن يوسف بن تاشفين، وشيد منارته فيما بعد الأمير ياغمراسن مؤسس الدولة الزيانية في القرن الثالث عشر الميلادي.

مغارة "بني عاد"

في أعالي جبال عين فزة بمحافظة تلمسان (500 كلم غرب الجزائر العاصمة)، يتوافد الآلاف من السياح من الجزائر وخارجها يوميا للاستمتاع بجمال الطبيعة الذي ترسمه صواعد ونوازل مغارة "بني عاد"، أحد أبرز المتاحف الطبيعية في البلاد.

وحسب خبراء الجيولوجيا، فإن هذه المغارة تصنف الثانية عالميا من حيث الديكور، وتعد الأولى والأجمل في شمال أفريقيا، وأهم ما يميزها هو طولها الذي يتجاوز 750 مترا طولا، وبعمق 57 مترا، وعرض يزيد عن العشرين مترا، مشكّلة بذلك تجاويف وحجرات ذات منحوتات طبيعية، ويمكن للزائر التجول فيها بكل أريحية، عكس بعض المغارات الأخرى الذي يضطر فيها إلى السير داخل الماء، أو السير منحني الظهر بسبب اقتراب النوازل من الصواعد.

وتقول الروايات إن العديد من المؤرخين والشعراء المشاهير قاموا بزيارتها، واستلهموا إبداعاتهم من المشاهد البانورامية التي تشكلها صخورها الكلسية، على غرار ابن خميس التلمساني وابن خفاجة الأندلسي وابن خلدون وابن أبي زرع وغيرهم.

الصواعد والنوازل

تسمية المغارة بــ"بني عاد" مستوحى من قوم عاد الرّحّل، حيث تتحدث الأساطير عن قوم سكنوا المغارة، يغادرونها ثم يعودون إليها، لذلك سميت بمغارة بني عاد.

كما أن الأمازيغ هم من اكتشف المغارة واستعملوها للسكن، ويعود تاريخ تشكّلها جيولوجيا في صورة صواعد ونوازل إلى قرنين قبل الميلاد، حيث طول هذه الصواعد والنوازل الكلسية يزداد بمقدار سنتمتر خلال كل مائة عام.

فطول المغارة الحقيقي يبلغ 145 كلم، وينطلق من مغارة بومعزة بمنطقة "سبدو" الواقعة جنوب ولاية تلمسان، وصولا إلى مغارة الحوريات بمنطقة "سيدي يحيى بمدينة وجدة المغربية".

 إلا أن الاستعمار الفرنسي قام بإغلاق الجزء الأول من المغارة باستعمال ستين مترا مكعبا من الإسمنت المسلح، حينما اكتشف أن مجاهدي ثورة التحرير الجزائرية يستعملونها لنقل الأسلحة سرا من المغرب تجاه الجزائر.

أما الجزء الثاني من المغارة، وهو المفتوح منذ عام 1965 أمام السياح، فينقسم إلى ثلاث قاعات: الأولى تسمى بالقاعة الرئيسية، والثانية تسمى بـ"قصر الملك"، وفيها تم العثور على أوان فخارية تدل على أن الإنسان سكن المغارة في حقبة ما من الزمن.

أما القاعة الثالثة، فيطلق عليها اسم "قاعة السيوف"، وسميت كذلك لاحتوائها على عدد هائل من النوازل التي تشبه السيوف، وتسمى أيضا بـ"قاعة المجاهدين" لأنها كانت مكانا لراحة المجاهدين خلال فترة الثورة الجزائرية.

-بتصرف-

المصادر:

- كتاب: تلمسان عاصمة المغرب الأوسط، يحيى بوعزيز، ص16-37.

- موقع الجزيرة نت.

شاركنا بتعليقك