إن الناظر بتفهم وإمعان في قضية الحديبية والصلح التاريخي الذي كان خاتمة المطاف فيها، يجد أنه قد نتج عن القضية مكاسب عقائدية وسياسية وأدبية وإعلامية عادت بالنفع العظيم على الإسلام ودعوة الإسلام.. ويمكننا الإشارة إلى بعض هذه المكاسب ومن أهمها:
اعتراف قريش بكيان المسلمين
لقد كانت قريش - منذ ظهور دعوة الإسلام في مكة ومنذ خمس عشرة سنة وحتى يوم صلح الحديبية - تعتبر النبي وأصحابه المسلمين شرذمة لا كيان لها.. لا تنظر إليهم إلا كما تنظر إلى الصعاليك من قطاع الطرق والخارجين على القانون الذين يجب إخضاعهم لسلطاتها وإعادتهم إلى حظيرة ضاعت كهنوتها الوثني أو التخلص منهم بأية وسيلة من الوسائل، وما كانت قريش تفكر أنها في يوم من الأيام ستقعد معهم على مائدة واحدة لتفاوضهم مفاوضة الند للند و تعترف بهم في معاهدة مسجلة كاملة لها كيانها بل كدولة لها هيبتها ونفوذها ، الأمر الذي ترفض قريش الاعتراف بشيء منه كل الرفض حتى جاء يوم الحديبية فاعترفت فيه للمسلمين بكل ذلك ووقع مندوبها على وثيقة تاريخية دولية ؛ تتضمن هذا الاعتراف .
تفهم المشركين لحقيقة الإسلام
ومن المكاسب الكبرى التي جنته الدعوة الإسلامية أثناء المفاوضة في الحديبية هو أن تصرف المسلمين - وخاصة نبيهم العظيم - طيلة الأيام التي قضوها في الحديبية قد جعلتهم محل احترام وإكبار كل الزعماء والسادة الذين بعثت بهم قريش كوسطاء لحل المشكلة القائمة بينها وبين المسلمين.
فقد كانت وسائل قريش الإعلامية تصور المسلمين بين العرب على أنهم دعاة حرب ومصاصي دماء معتدون، وأنهم لم يأتوا هذه المرة بهذا العدد الضخم إلا للعدوان وسفك الدم الحرام داخل البلد الحرام. غير أنه سرعان ما ينكشف زيف هذه الدعاية القرشية الكاذبة وتأتي لقريش بعكس النتائج التي كانت قريش تسعى - من وراء هذه الدعاية الكاذبة - لتحقيقها.
انشقاق معسكر الشرك
ومن المكاسب التي صاحبت صلح الحديبية الانشقاق الخطير الذي حدث داخل معسكر الشرك بين قريش وحلفائها الذين لامها قادتهم من الوسطاء على عنادها ومكابرتها عندما وجهوا إليها اللوم وأسدوا إليها النصح بأن لا تحول بين المسلمين وبين مباشرة حقهم الطبيعي في الطواف بالبيت بعد أن نقلوا إلى مسامع زعمائها أن المسلمين ليسوا مخطئين في إصرارهم على دخول مكة لأداء مناسك العمرة كغيرهم من فئات العرب الأخرى.
تأثر المشركين بواقع المسلمين
ولعل من أكبر المكاسب التي جناها الإسلام والمسلمون من صلح الحديبية، هو أن هذا الصلح قد أتاح الفرصة للمسلمين والمشركين على السواء بأن يختلطوا بعضهم ببعض.
ولقد كان من نتيجة ذلك الاختلاط الذي حدث بعد أن آمن الناس بعضهم بعضا - نتيجة هذا الصلح - أن عرف المشركون المسلمين على حقيقتهم والإسلام كما هو.. لا كما كانت تصوره لهم أبواق الوثنية المفرضة في مكة.
-بتصرف-
شاركنا بتعليقك