.. وادي مزاب على موعد دائم مع رأس السنة الأمازيغية، فلا تفوت على منطقة غرداية مناسبة عيد يناير التي تسمى بـ "ينّار" والتي تعبّر على انطلاق العام حسب التقويم الأمازيغي، كإرث حضاري تراثي يرسّخ قيم الأجداد ويذكّر بمآثرهم الطيبة.
ويعود الاحتفاء بالمناسبة لفترة ما قبل الميلاد، إذ يُعتبر تاريخ 6 جانفي بالنسبة لبني مزاب، و 12 جانفي لباقي الأمازيغ هو يوم المناسبة، فهو حدث تاريخي يحمل في طياته الكثير من معاني التضحية والنضال، حيث يصادف انتصار "شيشونغ" ملك الأمازيغ على الفراعنة سنة 950 ق م، إذ يعتبره أمازيغ شمال إفريقيا يوما مشهودا. فبالنسبة لبني مزاب يحيون هذه المناسبة الطيبة على طريقتهم الخاصة بعادات وتقاليد أصيلة وتتجسد في مختلف الممارسات، وتتمثل مظاهر الاحتفال في عقد اللقاءات العائلية في جو من الألفة والمودة وتحضير طبق "رْفيس"، كما هي فرصة للاحتفال بالمناسبة على مستوى أحياء وأزقة مدينة غرداية وضواحيها بالخصوص، فيما تكاد تندثر المناسبة في مدنٍ أخرى من مزاب.
وتعود قصة المناسبة إلى الإيذان ببداية الموسم الشتوي الزراعي والتقويم لفصول العام، حيث تمنح مناسبة عيد يناير أجواء بهيجة تتعلق بالأنشطة الفلاحية والموارد الرئيسية لحياة الفلاح، فيمثل يناير الذي يصادف نهاية موسم جني التمور مرحلة هامة للاطلاع على الوضعية البيئية لواحات النخيل وإطلاق عملية التنظيف عبر هذه الواحات المثمرة والمنتجة. ويتم الشروع في عملية التنظيف باقتلاع سعف النخيل الجافة وبقايا النباتات الذابلة من أغصان وعصي للسماح للتربة بالمحافظة على الرطوبة والعناصر الغذائية. كما تشمل عملية التنظيف السواقي وبعض شبكات تقسيم مياه السقي عبر واحات النخيل حسب ما أوضح أحد العارفين بالأشغال الفلاحية الموسمية. ويبدأ الفلاحون في عملية حرث الأرض لزرعها، علما أن الفلاحة في ذاك الزمن كانت المصدر الوحيد لرزقهم، وهذا ما يفسر إيلاءهم كل هذه الأهمية لهذه المناسبة، واستبشارهم خيرا بموسم غني يدر لهم بالمحاصيل الوفيرة.
ويتم إحياء "ينّار" كل سنة في نفس الأجواء التفاؤلية حيث يجتمع الكل حول الأطباق الخاصة بهذه المناسبة التي يتم تحضيرها بكل عناية وإتقان في ليلة رأس السنة الأمازيغية والتي لابد أن تحتوي على مكونات ذات لون أبيض من أجل التبرك بسنة جديدة ملؤها السلام والخير كطبق "رْفيس" الذي لا يغيب مطلقا عن مثل هذه المناسبة، حيث يتم خلط مكوناته وهي (الدقيق والسكر والحليب) وطهيها على شكل فطيرة ومن ثم تفتيتها وتحضيرها بالبخار مع خلط المزيج بالسمن ومن ثم تزينها بالزبيب (عنب جاف) والبيض المغلي.
وبعد تناول هذا الطبق الدسم مع الشاي المحضر بالنعناع تتوجه العائلة للصلاة وتلاوة فاتحة القرآن الكريم تضرعا إلى الله لتكون هذه السنة الجديدة التي تمثل بداية الموسم الفلاحي سنة خير ورزق وبركة بالنسبة للفلاحة وغيرها من نشاطات الحياة.
وفي هذه المناسبة أيضا تمنح كل عائلة طبق "رفيس" للمرأة المتزوجة حديثا حيث تقدم لها النسوة نصائح حول حياة الزوجين والأبناء، كما يطلعن على أوضاع الأرامل والمطلقات وذلك في أجواء يسودها روح التضامن والتآزر فيما بينهن "وتختم سهرة يناير في جو عائلي بهيج تطبعه ألعاب " ألاون " وهي إحدى أنواع ألعاب البوقالات "الأحاجي" التي يتبادلها أفراد العائلة في جو ملؤه الضحك والبسمة مثلما جرت عليه العادات التي تحيي هذه المناسبة.
وتتنوع هذه العادات والتقاليد التي تبين مدى تمسك سكان مزاب بالموروث الثقافي المتأصل وتعزز التلاحم الاجتماعي ما بين إحياء هذه المناسبة والتبرك بها والتفاؤل بسنة جديدة ملؤها الخير.
للعلم فإن هناك عدة قصص وروايات أخرى تؤرخ للمناسبة، ويبقى المهم هو استثمارها لبث القيم الحميدة، والمعاني الجميلة كاجتماع الأسرة وربط أواصر الصلة بينهم.
المصدر: موقع آت مزاب
شاركنا بتعليقك