إن الحديث عن "التعايش" بين تركيبتين بشريّتين متباينتين في الدين، والمعتقد، والإيمان: مسألة دقيقة حساسة، يدفعنا إلى التأكيد على أن الإسلام لا يرى إليها على أنها صلة بين طرفين ملائكيين لا تحول بينهما النزاعات، والتشنجات، والاحتكاكات من جهة، كما يؤدبنا القرآن الكريم على ألا نبصر الطرف الآخر على أنه شيطاني حقود، ميال إلى النزاع والمواجهة.
إن القرآن الكريم يعلمنا أن ندرك العلاقة بين تركيبتين بشريتين متباينتين في الديانة والموقف؛ على أنها علاقة بشرية تعتريها كل ما تعتري النفس البشرية من ظروف عاطفية، ونفسية، واجتماعية... إلا أنه في الوقت ذاته يؤدِّبنا أن لا نبرر لأي فئة ظلمها، وعدوانها، وبغيها؛ فالقرآن الكريم يعلّمنا، في سياق التعايش والتآلف؛ "قاعدة كلية" مفادها: أن المسلم كلما حشره أقرانه إلى دائرة النِّد المنافس قفَز إلى موقع الحكَم والشاهد الصادق، وحقّق موقف التوازن في أمته ومجتمعه.
ومن أجل تحقيق "حالة التعايش"، بين بني البشر؛ يمكننا أن نعدد مستويات ثلاث تجعل التعايش بين الطوائف، والجماعات، والمجتمعات مسألة متزنة متوازنة:
أوّلاً: المعرفة
وهي حالة ذهنية؛ تتحقق حين يدرك كل طرف حقيقة الإدراك قوته وضعفه، علمه وجهله، ايجابياته، وسلبياته...
ثانيّاً: التعارف
وهي حالة تواصلية؛ يسعى كل طرف إلى نسج شبكة علاقات حية بينه وبين غيره، مهما اختلفت المواقف والمواقع؛ في حدود القسط والبرّ والاحترام المتبادل.
ثالثاً: الاعتراف
فهي حالة قلبية يقف فيها كل طرف، فيما يُعوزه، موقف المتعلم والمتفاعل من غيره دون حرج أو تعالم واستعلاء.
-بتصرف-
المصدر: مقال د.طه كوزي في موقع veecos
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله ن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة . ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل ، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف ، فبالمعرفة يفهم كل واحد ما يتمسك به الآخرون ، ولماذا يتمسكون به . وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعي للعبادات ، وبالاعتراف يتقبل كل واحد منهم مسلك الآخر برضى ، ويعطيه مثل الحق الذي يعطيه لنفسه ( اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ ) وفي ظل الأخوة والسماح تغيب التحديات ، وتجد القلوب نفسها تحاول أن تصحح عقيدتها وعملها بالأصل الثابت في الكتاب والسنة ، غير خائفة أن يقال عنها تركت مذهبا أو اعتنقت مذهباً . ولن نصل إلى هذه الدرجة حتى يعترف اليوم أتباع جابر وأبي حنيفة ومالك والشافعي وزيد وجعفر وأحمد وغيرهم ممن يقلدهم الناس أن أئمتهم أيضا يقفون في صعيد واحد لا مزية لأحدهم على الآخرين إلا بمقدار ما قدم من عمل خالص.