إسهامات

.. وهناك أمر آخر انفردت العطف به في أمر الأعراس وهي عادة "تعليق الخيمة"، فإن الوزراء الذين يُختارون لمرافقة العريس وخدمته في أيام العرس يجتمعون عشية اليوم السابق لوليمة العرس في السوق، فيقبلون جماعات ويذهبون إلى دار العرس ويعلقون في السطح الفوقاني خيمة مستطيلة ويعبر عنها بـ "الفليج"، وهو قطعة من نسيج يصنع بالصوف والشعر مثل الذي تنسج للخيمة التي يسكنها البدو، ولابد أن تمر فوق الشباك الذي يتوسط الدار وتشد إلى أسوار الدار في أعلى ما يمكن العلو حتى يراها الناس من بعيد، بعد أن يعلقوها يصبون فوقها ذنوبا من الماء ثم يوزعون الخبز المصنوع في الدار وحفنة من الفول المدمس "المحمر" لكل الحاضرين، فيلقي كل الحاضرين ذلك الفول للبنين والبنات الصغار الذين يتجمعون في السطح الأوسط فيزدحمون على التقاط الفول، وبعد أن يدعو أحد الحاضرين الله ينزلون من السطح، ويمرون أمام النساء الملتحفات المتجمعات في وسط الدار، تاركات طريقا واسعا لمرور الناس، ويكنَّ في الغالب جالسات على الأرض، وقد ينشرن الزغاريد بعد أن يصبوا ذنوب الماء من السطح الأعلى، كما قد يطلق أحد المكاريس طلقة واحدة من البارود، وإن كان هذا من عادات أعراس المكاریس، أما في أعراس الطلبة فلا يكون البارود إلا نادرا وبإذن من العزابة كأن يكون والد العريس من لاعبي البارود، وبعد النهاية من الدعاء وقبل الانصراف ينادي الوصيف الذي يسبق الناس دائما في المشي إلى العرس وهو الذي يوزع الخبز والفول: "إنكم مدعوون أيها الحاضرون للعشاء"، فإن لبوا النداء تعشوا جميعا في الدار، وهذا ما كان يقع، أما الآن فقد أبقى على هذه العادة ولكن العشاء لا يكون في دار العرس بل في "الحجبة"، كما أمر العزابة بتقليل عدد الذاهبين إلى تعليق الخيمة، وهنا يتبادر للقارئ أن يتساءل ما سبب هذه العادة وما معناها وهل ترمز إلى شيء؟! ولماذا تختص بها العطف دون سائر القرى؟! أسئلة طالما طالبنا بها الكبار ولكننا لم نجد لها تفسيرا نطمئن إليه، ولعله من المفيد أن نذكرها على عادتنا، ولنترك للقارئ التعليل، يقول بعضهم: "إن الرسول ﷺ بنى بزوجته ميمونة بشرف تحت خيمة وقد فعل الناس إتباعا للسنة" وهذا فيما أری احتمال ضعيف فهناك فوارق، ويقول آخرون: "إن الأسلاف رحمهم الله أرادوا بهذا أن يرمزوا إلى "أننا کنا ممن يسكن الخيام فلا تنسوها فإن الحضارة لا تدوم" ويقول فريق آخر: "إن نصب الخيمة على السطح الأعلى في الدار هو بمثابة إعلان لمن أراد أن يتعشی، حتى إذا مرت قافلة من الوادي ورأت خيمة منصوبة علمت أن هناك وليمة فنزلت للعشاء"، أما نحن فلا زلنا لم نطمئن إلى أحد هذه التفاسير فالبحث مقترح.

بقيت هناك نكتة يجب أن نسجلها حتى نكون أمناء في نقل كل الجزيئات التي تكمل الصورة، وهي أن بدء المسيرة من السوق لا يكون إلا بعد دخول "الحراﭪ" أي بعد رجوع القطيع أو عند عودة القطيع، والعزابة لا يحضرون في هذه العادة إلا أن يكون أحد العزابة هو صاحب العرس وقد لا يحضر رغم ذلك.

ومما قد حضرني مما لم أذكره في محله وهو أسطورة تحكي في أوساطنا عن الشاب إذا ما بلغ سن الرشد ولم يتزوج وهو يريد الزواج ولكن والديه سكتوا عنه ولم يجد وسيلة ليبلغ والديه احتجاجه فإنه يأخذ زيرا أو أي آنية من فخار فيصعد إلى السطح العالي ويلقيها من السطح فتنكسر هذه الآنية في وسط الدار وبذلك يفهم الوالدان أن ابنهما قد طال به انتظار الزواج فيجدون في الأمر ويعجلون له برغبته، هذه حال كانت ورحم الله ذلك الزمان فإن أبناءنا اليوم هم الذين يستمهلون والديهم حتى إتمام الدراسة أو حتى يجدوا عملا قارا أو وظيفة محترمة ولله في خلقه شؤون.

-بتصرف-

المصدر: رسالة في بعض أعراف وعادات وادي ميزاب. الحاج أيوب إبراهيم بن يحي –القرادي- ص86-88.

(1) تعليقا

23 مارس 2019

السلام عليكم ورحمة الله من جميل عوائد مزاب تجنينت العطف ولاية غرداية بالجنوب الجزائري، نموذج الرقي الحضاري الضارب في أعماق التاريخ. لكن الحفاظ عليها صعب المنال في وقتنا الحاضر. والله الموفق لحمايتكم للتراث عبر وسائل الإعلام الهادف . جزاكم الله خيرا

شاركنا بتعليقك