إسهامات

لقد كرم الله سبحانه بني آدم فخلق آدم وأسجد له ملائكته وعلَّمه الأسماء كلها، واختص سبحانه وتعالى بني آدم دون سائر المخلوقات بتكريم ومنزلة ومزايا خاصة لهم دون غيرهم، لكن أعظم تكريم وتشريف هو أنْ حمَّلهم سبحانه وتعالى هذا الدين، وأنْ جعلهم سبحانه وتعالى عباداً له فشرفهم بالانتساب إليه والتعبد له عز وجل، فصار شرف الإنسان وعزه عندما يذل بين يديه مولاه، وكماله هو في فقره لله عز وجل واستغنائه عمن سواه، بل هذا هو ما خُلِقَ بنو آدم من أجله ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الآية: 56 الذاريات.

ومن تمام هذه العبودية وكمالها تشريف آخر، وذلك بأن جعله تعالى حاملاً لمشعل الهداية ودعوة الخير للناس جميعاً، فهو الذي يبلغ كلام الله عز وجل ودينه سبحانه للناس كافة، وحين يعرض هذا الإنسان ويتنكب الطريق فالبديل هو غيره ممن يقوم بهذه الأمانة.

أي تشريف وتعظيم ورفع منزلة للإنسان أعظم من أن يكون داعياً للناس لعبودية الله وتوحيده؟ وأن يوظف وقته وجهده لتحقيق هذه الغاية وأداء هذه الرسالة.

إن كل مسلم يعتقد أنه مخاطب بالقرآن الكريم، فهم مخاطب بهذه النصوص التي تأمر الناس أن ينصروا الله عز وجل ، أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، أن يدعوا إلى الخير ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الآية: 104 آل عمران، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ الآية: 7 محمد، ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ﴾ الآية: 38 محمد،  ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ﴾ الآية: 54 المائدة.

وهو مخاطب بالنصوص المتضافرة في سنة النبي " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ".

فمن الذي يحمل هذا الدين ؟ من الذي يحمل هذه الأمانة ؟ أهي طائفة خاصة من هذه الأمّة، أهو خطاب للنخبة ؟ أم هو خطاب للأمّة أجمع ؟

لكل من يعقل كلام الله جل وعلا وكلام رسوله رجلاً كان أم امرأة، شاباً كان أم شيخاً، أيًّا كان موقعه الاجتماعي بين الناس، وأيًّا كان علمه ودرجته فهو ما دام يرى أنه من هذه الأمة فهو مخاطب بهذه الصفة، فالأمة أجمع إنما اكتسبت هذه الخيرية لأنها تقوم بدين الله وتأمر بالمعروف، والمعروف اسم جامع يشمل كل ما أمر الله به من اعتقاد أو عمل أو سلوك أو خلق، ولئن كان هذا المعروف لا يعجب فئة من الناس أو لا يتفق مع أهوائهم فهذا لا يخرجه عن كونه معروفاً.

والمنكر كلمة جامعة لكل ما يخالف شرع الله في الاعتقاد والتعبد والعمل والسلوك، فالأمة مخاطبة أن تسعى لتغير هذا المنكر أياً كان، سخط من سخط ورضي من رضي، ما دام منكراً بعرف الشرع وخطاب الشرع، إن المناط في تحديد المعروف والمنكر يؤخذ من كلام مَنْ أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبحانه وتعالى.

شواهد من قصص الأنبياء:

حين نقف عند قصص أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم نلمس هذا الأمر واضحاً جلياً. يقول سبحانه مخاطباً أصحاب الرسول داعياً إياهم إلى التأسي بأولئك السلف الذين سبقوهم ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ الآيتين: 146-147 آل عمران، لقد كان هؤلاء الربيّون يشعرون أن الأمانة لا تخص هذا النبي وحده، بل لا بد أن يقوموا معه ويقاتلوا معه ويتحملوا الشدائد في سبيل الله، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

ثمرة الانتماء للدين:

إن المسلمين جميعاً يشعرون أنهم ينتمون لهذا الدين، ويتشرفون بالانتساب إليه، ولو سألت أحدهم في مقام الإنكار عليه والجدل والخصومة قائلا له: ألست بمسلم؟ لتضايق من هذا السؤال، ولكن مَن مِن المسلمين يسأل نفسه هذا السؤال بجد وصدق: ماذا يعني انتمائي لهذا الدين؟ ماذا يعني انتمائي لهذه الأمة؟ ألم يفرض علي الولاء لهذا الدين؟ ألم يفرض علي القيام بنصرة هذا الدين والذب عن حياضه والدعوة إليه؟

ماذا ستقول عنا الأجيال؟

إننا جميعاً نتفق على انتقاد ذاك الجيل الذي كان على يده إضاعة بلاد الأندلس، ولا يزال الصغار والكبار يقرؤون في التاريخ بأن أولئك خانوا المسلمين وخانوا الأمة أجمع فتحولت تلك البلاد إلى بلاد نصرانية، والمساجد قد صارت كنائس ما فيهن إلا نواقيس وصلبان، فماذا نقول عن أولئك؟

وماذا نقول عن أولئك الذين ساهموا بقصد أو بغير قصد في حياكة ونسج أكفان الخلافة الإسلامية حتى تفرقت الأمة الإسلامية شذر مذر وتفرقت إلى أحزاب يلعن بعضها بعضاً ويقتل بعضها بعضاً؟ ماذا نقول عن أولئك الذين أضاعوا أولى القبلتين وثالث المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها؟

ما دمنا نعيب أولئك، وما دمنا نرى أنهم تخلوا عن تحمل تلك المسؤولية، فماذا سيقول الجيل الذي سيلينا عنا؟ ألا يحق لهم أن يتحدثوا عنا باللغة نفسها؟ ألا يحق لهم أن يصفونا بما نصف به أولئك وما الذي يميزنا عن غيرنا؟

إننا نرى أن ثمة مجالات عدة في حياة المسلمين يمكن أن تسهم في خدمة الأمة ونصر هذا الدين والذب عنه، فالأمة تحتاج إلى كل التخصصات والأدوار، وما من أحد يجيد فنًّا من فنون هذه الدنيا أو علماً من علومها، أو ينبغ في ميدان من ميادينها، إلا ويرى أنه سيجد مكاناً في ساحة الأمة الواسعة الفسيحة، يمكن أن يؤدي من خلاله دوراً، ويمكن أن يسهم من خلاله في أداء الأمانة وحملها، فما دام الأمر كذلك فلماذا يخص الأمر نخبة خاصة من الناس؟ فالأمة تحتاج إلى كل الطاقات وكل التخصصات.

من صور حمل الأمانة:

أوّلاً: المحافظة على المجتمع: من الأمانات المهمة التي ينبغي أن يتحملها المجتمع أجمع المحافظة على المجتمع وحمايته من الفساد، فلم يعد أحد من المسلمين اليوم يشك في أن مجتمعات المسلمين مستهدفة، وأنه يراد لهذه المجتمعات أن تغوص في أوحال الرذيلة والفساد.

ثانياً: نشر العلم والدعوة للدين: لئن كانت مسؤولية نشر العلم والدعوة للدين تعني أهل العلم بصفة أخص، فهذا لا يعني أننا نُعفى من المسؤولية، فبعضنا لا يملك علماً لكنه يملك المال الذي يستطيع من خلاله أن يُوظَّف من يعمل على نشر هذا الدين، ويملك الخدمات التي يمكن أن يقدمها لأولئك الذين ينشرون العلم ويقدمونه للناس جميعاً. إننا بحاجة إلى أن نعلم الناس عقائدهم وأحكام دينهم، أن نعلم الناس أن يعتقدوا أن الله واحد لا شريك له، وأن يعتقدوا أن أنبياء الله ورسله هم أفضل الناس وأبر الناس وأصدق الناس وهي مهمة يمكن أن يقوم بها الجميع من خلال عقد حلق العلم، من خلال المساهمة بالمادة وبالرأي، والمساهمة بالتشجيع والتأييد.

ثالثاً: دعوة سائر الناس إلى الإسلام: ومن صور الأمانة التي تتحملها الأمة أجمع نقل هذا الدين إلى سائر المجتمعات، كم يموت كل يوم على الشرك والكفر؟ كم يموت ممن لا يعلم شيئاً عن دين الله؟ كم يموت على النصرانية والبوذية وعلى الإلحاد في العالم بأسره ممن لم يسمع كلمة الحق واضحة؟

وواقع هؤلاء مسؤولية من؟ واجب من؟ فهل دعوة هؤلاء واجب فئة أو طائفة خاصة؟ أم هو واجب أمة أجمع؟

في هذا العصر الذي يمتاز بأنه عصر الانفجار الهائل في وسائل الاتصال ونقل المعلومات والذي أصبح العالم فيه قرية واحدة كما يقال، مع ذلك يتخلى المسلمون لتبقى قنوات الفضاء ووسائل الاتصال والأجهزة الحديثة وقفاً على دعاة الفاحشة والرذيلة؟ أو على دعاة الضلال؟

-بتصرف-

المصدر: موقع صيد الفوائد

شاركنا بتعليقك