إسهامات

تعديل وضعية لعذوق:

  • التنسيق والتعديل:

للنخلة القدرة علی حمل غلة تفوق المائة والخمسين كيلوغرام، بيد أنه من المهم أن يوزع هذا الثقل بانتظام حول النخلة، وإذا حنت بسبب ثقل غلتها فإن الجمار لن يستطيع تقويم الانحناء، كما أنها ستواصل نموها مع تقوس يستحيل استدراكه.

من جهة أخرى، تملك العذوق شکلا مستقيما في البداية ثم يبدأ خلال مسار نموه يتدرج في الانحناء. إذا لم تجد العذوق سعفا تعتمد عليه فإنها تبقى معلقة في الهواء وتتعرض بذلك لخطر الانكسار تحت ثقل أوزانها.

ثم إنه إذا نمت العذوق بصفة فوضوية فإنها قد تتشابك بينها أو مع السعف، و حين هبوب الرياح تهتز مختلف الأعضاء محدثة احتكاكا يسبب سقوط الثمار. إذا يعد ضروريا خفض العذوق ووضعها على السعف كمحمل لها وذلك بتوزيع الحمولة بصفة منسجمة. يحدث هذا العمل بعد انعقاد الأزهار عندما يمكن التمييز بين البلح المؤبر "تَغِوْتْ" والشيص "أَدَاوَنْ"، أي من ماي (أيار) إلى جويلية (تموز) حسب تبكير الأصناف. تسمى هذه العملية عندنا بـ"أعدال"، ومن اسمها فهي تدل على التعديل و التنسيق.

  • تحريك العراجين يدويا حسب أنواعها:

إنها مهمة لابد من الاضطلاع بها في أقرب وقت ممكن لأن العذوق يسهل تحريكها قبل أن يثقل حملها. هذه العملية تعتمد أساسا على طول العرجون ومرونته، أي ينبغي الإلمام بخصائص أي صنف من الأصناف. كما ينبغي أخذ الحذر لئلا تتلف نقطة التقاء العرجون بالجذع، وأي لي أو إتلاف جزئي فإنه سيبطئ مرور النسغ إلى العذوق ويبطئ بالتالي نموه. عند وقوع حادث عرضي يفضل قطع العذق حتى وإن كان التلف ظاهريا غير كامل لأن الجزأين لیسا مربوطين إلا بالألياف التي تغطي الجهة الخارجية للعرجون، وأما في الداخل فإن الأوعية التي تمرر النسغ قد أصيبت بفساد لا يمكن معالجته. وعلى النقيض، فإذا تعرض العرجون إلى شق طولي بسبب حركة سيئة فإن العذق لن يتأذى كثيرا و يمكن الاحتفاظ به.

  • العذوق ذات العراجين القصيرة:

يمكن تثبيت العذوق ذات العراجين القصيرة، بواسطة رابط، على نصل السعفة الأم التي ولدوا من إبطها، أو أن توضع منفرجة الشماريخ على الجزء الشائك من السعفة. هذه الطريقة في وضع العذوق مهمة للأصناف التي لها عذوق ممتلئة لأن الأشواك ستسهم في تهويتها وإيجاد فراغات تسمح للثمار الميتة بالسقوط عوض أن تفسد داخل العذق.

  • العذوق ذات العراجين المتوسطة أو الطويلة:

عندما يكون العرجون متوسطا أو طويلا يحول العذق أفقيا حتى يتقاطع - أي العرجون - مع السعفات التي تسنده يقال "ينبغي أن يمتص طوله " لأنه إن مد بكامل طوله على السعفة الأم فإنه سيستقر على الجزء الدقيق والهش منها، ويركز عليه تركيزا قويا، عند الأصناف ذات العراجين الطويلة يحمل العذق على الكتف لتسهيل تحويله مع الإبقاء على اليدين طليقتين لضمان حركته.

تملك "دَﭬْلَتْ نُورْ" عرجونا ذا طول مميز قد يصل إلى المتر ونصف، بل المترين، وهو هش للغاية ولا يقوى على حركة التحويل الأفقي، وعليه ينبغي إخراج كل عذوق النخلة من التاج ووضع كل عرجون بين سعفتين قد شبكتا من قبل. يكون العذق الثقيل المستند إلى سعفتين معا معلقا تحت التاج مما يسهل صرمه كاملا، لأن هذا الصنف يباع أفضل بعذوق كاملة.

  • عذوق خفيفة:

عند بعض العذوق الفتية والتي لا تكون ثقيلة بما فيه الكفاية حتى تثقل على العرجون يكون شكلها المستقيم معيقا، لأنه ليس لدينا علم عن الجهة التي منها سيتدلى، وإذا اكتفينا بإحناء العرجون فقد يعود إلى استقامته من جديد كالنابض. في هذه الحالة أضع العرجون على ركبتي ضاغطا بهدوء لمدة طويلة حتى يتشكل تقوس في الاتجاه المرغوب فيه.

  • سعف هش:

عندما تكون النخلات ضعيفة وتحمل سعفا غير قوي لا يطيق الأحمال، فإني أفضل أن لا أتدخل فيها. في أسوء الأحوال أفقد عذقا، لكن إذا وضعته على سعفة هشة فسأفقدهما معا. إلا أن بعض الملاك يرغبون في الحصول على غلة مهما كان الأمر، و بالتالي أنقص استثنائيا من طول السعفة التي عليها أضع العذق، وذلك بالقطع مباشرة بعد الشماريخ الأخيرة للإنقاص من وزنها. في هذه الحالة أتأكد أولا من عدم قدرتي على استعمال السعف الجاف الذي إن قطع فلا يؤثر ذلك على النخلة.

  • متى يكون العمل ؟

إن "أَعْدَالْ" ليس بمهمة تنجز في الصباح، بل ينبغي الانتظار حتى تكون العراجين قد سخنتها الشمس بما فيه الكفاية قبل تحويلها في الصباح تكون منتفخة وطرية مما يجعلها قابلة للانكسار. أشرع في العمل ابتداء من التاسعة صباحا، بل بعد ذلك حسب شروط تعرض الموقع الذي أعمل فيه لضوء الشمس. سابقا كنت أضع يدي على جذع النخلة لأتأكد إن كان ساخنا بما فيه الكفاية. هذه المهمة تملك أيضا جانبا فنيا، فالعذوق الموزعة بانسجام حول النخلة تمثل لوحة جدارية حية.

توازن حمولة الثمار: التذليل

في الوقت الذي توضع العذوق على السعف، ينبغي أيضا وضع حمولة ثمار النخلة في توازن، وذلك بالتذليل حسب الحاجة. يمكن الآن رؤية نتاج التأبير بوضوح والتمييز بين البلح المؤبر الذي يكون له شكل بيضي مستدير والتمر الذي نما دون إلقاح (الشيص) ذي شكل طويل وتكون تمراته غالبا مدمجة في تمرتين أو ثلاث على الشماريخ. إن التذليل (التفريج) عملية معروفة لدى غارسي الأشجار كلهم، لأن كثرة الثمار بالنسبة إلى قدرة الشجرة يسبب صغر حجمها ويقلل من طيب مذاقها.

تُمارس على النخل عمليتا تذليل: إنقاص عدد العذوق في النخلة (تحديد) وإنقاص عدد التمر في العذق (تخريص). هذا التعديل المزدوج لا يهدف إلى إنتاج تمر ذي حجم كبير فحسب، وإنما يقلل أيضا من ظواهر التناوب في الإنتاج، لأن النخلة إذا أَوْقَرَتْ فإنها طبيعيا ستضعف وتقل غلتها في السنة الموالية، علاوة على أنها تقلل من تدرج التمر في النضج وما ينجر عنه من خسائر، لأنه، حسب الأصناف، فالتمر اليانع قبل الآخر يسقط وتقل قيمته أو يبدأ في التيبس على العذق. هذا التدرج في النضج ضار كذلك لأنه يطيل فترة الحساسية للحشرات والدواب المتلفة.

  • توازن عدد العذوق في النخلة:

يعتمد عدد العذوق في النخلة على قوتها العامة وعلى عدد السعف الأخضر الذي تحمله. يقال لا بد من الحفاظ على عذق واحد لما يقارب اثنتي عشر سعفة. هذا العمل يبدأ بنظرة إجمالية ألقيها على التاج وتموضع العذوق، وأبدأ بنزع العذوق الضعيفة المشوهة أو غير المؤبرة جيدا أو المريضة أو التي وجدت في موضع غير لائق، أي التي تتركز في جانب واحد من الجذع مثلا. ينبغي قطع العذوق المصابة ب"الخامج" وإنزالها لتحرق مع تفادي نقل العدوى إلى الأجزاء الأخرى من النخلة. كما أتخلص أيضا من العذوق المتلفة ذات العراجين الملتوية. إذا كان عدد العذوق، رغم كل شيء، ما يزال مرتفعا، فإني أواصل في إنقاصه، ونادرا ما أترك أكثر من اثني عشر إلى أربعة عشر عذقا في النخلة الواحدة إلا إذا كان للمالك قرار آخر. هذا التعديل يسمح إذا بإصلاح نتاج التأبير ويقلل من إنتاج بعض الأصناف ذات الغلال الكثيفة مثل "تَامَزْوَارْتْ نْتْلَاتْ" التي تنتج ما يقارب 32 عذقا.

أما النخيل الضعيف ذو السعف الهش فإنا ننقص بحدة من عدد عذوقه، و تقطع بالخصوص العذوق الأكبر حجما التي، على أي حال، لن تمكث طويلا وقد تجر في سقوطها بعض السعف. وعلى النخيل التي يتمتع بصحة جيدة وهو في أوج نموه فيحتفظ بعذوق الطبقة الوسطى من التاج. أما عذوق الطبقة فينبغي إزالتها مثلما تقدم شرحه، لأن الطقس إذا كان في صالح النمو النباتي فإن هذه العذوق لن تتغذى جيدا بالنسغ، وهذا ما يمنعها من الوصول إلى مرحلة النضج.

بالنسبة للأزهار الواقعة في الطبقة العليا من التاج فإنها، باستثناء بعض الأصناف، تكون الأولى في الانفتاح، وبما أنها تنفتح في زمن البرد فإن تأبيرها غير مضمون بما فيه الكفاية، وسيتعطى عذوقا رديئة التأبير، ولكنها تحمل تمرا ذا حجم غليظ، وفي الأخير، لما يكون لدي الخيار، فإني لا أبقي أساسا إلا على عذوق الطبقة الوسطى والعذوق الجميلة في الطبقة العليا، وإذا لم يكن لي منها الكثير فسأحتفظ بالبعض منها علما بأنها معرضة لأن لا تصل إلى مرحلة النضج.

لابد من تخليص الفسائل الفتية التي تقل عن الخمس سنوات في أقرب وقت ممكن من العذوق التي تحملها لمساعدتها على النمو، ولا يمكن الاحتفاظ إلا بعذق صغير للتأكد من أن الفسيلة الفتية تحمل خصائص أمها. على أي حال، فإن عذوق الفسائل شديدة القرب من التربة، مما يعرضها إلى الرطوبة والبرودة اللطيفة، تكون سيئة النضج، ولما تصل الفسيلة سن السادسة فسأترك لها عذقا جيدا وأضيف كل سنة عذقا آخر حتى تبلغ ما بين الثانية عشر والخامسة عشر حسب مسار المرحلة الفتية. أما ما يخص البلح المقطوع فإن الماعز يحبِّذه، ولكن لا بد من تجفيفه قبل تقديمه لأنه في هذه الحالة الرطبة يسبب الإسهال.

  • توازن عدد الثمار في العذق:

يقوم التخريص أساسا على التقليل من عدد الثمار في العذوق الممتلئة للحصول على تمر أغلظ، كما يهدف أيضا إلى التقليل من أخطار التعفن وذلك بالتهوية الداخلية. كان في المقدور بدء العمل منذ التأبير، وذلك بتأجيله بعض الشيء أو القيام به و لكن بانتباه حتى تحمل العذوق حملا أقل، غير أنه ينبغي لكل صنف معرفة مدة قابلية الأزهار للتأبير معرفة جيدة ومعرفة الوقت المناسب للتأبير. إن هذه العملية تحمل خطرا، وعليه لا بد من تنفيذها على الأصناف الأقل طلبا.

في بعض المناطق يُسوِّى بين عدد الشماريخ، وذلك بأن ينقص منها بين الثلث والربع لكل عذق. هذه العملية يقام بها للتوازن في حمولة الثمار، إلا أنها لا تحل مشكلة الكثافة في كل عذق، فالشماريخ الداخلية لا يصلها الضوء كما أن قلب العذق غير مهوى بما فيه الكفاية. علاوة على أن بعض الفلاحين، وهذا شيء نادر، يقللون من عدد الثمار بفرطه، غير أن هذه العملية تتطلب وقتا طويلا وليست أكثر فعالية، كما أنها تتطلب وضعية عمل مريحة بمحاذاة العذق و هو ما لا يمكن دوما.

أفضل التقليل من العذق بقطع نهايات العرجون بالمنشار، فالعذق يتكون من غصينات تتفرع من هنا وهناك على جوانب العرجون وينتهي بباقة من الشماريخ أقصر طولا حيث تمرها لا يصله الضوء وينضج بصورة سيئة، إضافة إلى أن هذه الباقة تعيق سقوط البلح الميت مما يسبب تعفن باقي العذق. إذاً فقطع هذه الباقة النهائية يعيد توجيه النسغ إلى الغصينات الأخرى.

في نظري لا ينبغي أن يفوق وزن العذق العشرين كيلوغراما في الظروف العادية المتعلقة بالقوة والسن (وما يقارب الخمسة عشر كيلوغراما بالنسبة لـ"دَقْلَتْ نُورْ") وانطلاقا من تجربتي الخاصة فإني أتمكن من تقدير الوزن الذي قد يبلغه العذق في نضجه، وبالتالي كيفية التعامل معه. إذا قدرت أن العذق سيبلغ ثلاثين كيلوغراما فإني أتخلص من ثلثه بلحًا، وإذا قدرت أنه لن يربو على العشرين فإني لا أنقص منه شيئا، إلا إذا كان لزاما أن تحمله سعفة هشة، ففي هذه الحال أنقص منه النصف.

يكبر خطر الانكسار لدى العراجين الطويلة، فتحت وطأة الوزن قد تخرج العذوق من التاج وتتدلى دون دعامة. إن العذق الثقيل الذي يحمله عرجون قصير يبقى دوما داخل التاج وإن كان سيء الموضع فإنه يجد دوما دعامة. وعليه فإن التخريص ينبغي أن يكون صارما لدى الأصناف ذات العرجون الطويل، إلا إذا أردنا أن نعوض هذه الخسارة بالاحتفاظ بعدد كبير من العذوق. سواء أخرصت العذوق أو تركت على حالها، فإن تلك التي توضع منفرجة على نصل السعف ستستفيد من الاستقرار عندما تقطع نهاية عراجينها، لأن العرجون ينتهي طبيعيا بنتوء يجعل العذق ينزلق على طرفي النصل، و لكن حركته ستقل إذا سُويَت نهاية العرجون.

ينبغي أن يكون التفريج عند بعض الأصناف مثل "تَمْجُوهَرْتْ" معتدلا، ففي زمن الحرارة الشديدة تتسارع وتيرة نمو الثمار إلى حد حدوث تقززات، وتكون التمرة الغليظة منفوخة وأكثر جفافا، أما التمر الصغير فيكون في هذه الحال ذا لب طري. أمر بسيط ينصح بالقيام به في نهاية التعديل والتخريص، وهو هز العذق بهدوء لإسقاط البلح الذي انفصل عن معاليقه تجنبا لنشوء أعشاش تخَمُّر.

المصدر: كتاب نخلة التمر يوميات يرويها عاذق، نور الدين بن سعدون، نور الدين بولحواط. ص54-59.

(1) تعليقا

18 أكتوبر 2019

بارك الله فيكم. مقالة ممتازة. ربي أونيحفض.. أي يبها د أخدام أيني تليم تخدمم???? تانميرت

شاركنا بتعليقك