إسهامات

هي مظاهرة يقوم بها مجلس العزابة مرة كل سنة قبل الشروع في تسيير المقابر أو التلاوة القرآنية كل أسبوع، وذلك أن العزابة إذا قرروا الشروع أعلنوا عن هذه المظاهرة وأنها ستقع بعد صلاة الفجر من يوم السبت، ولا أعلم على وجه التحقيق لماذا اختاروا هذا اليوم بالذات، وسأقص تفاصيل هذه المظاهرة بالنسبة للعطف التي حضرتها عشرات المرات وإن كانت العادة موجودة بالنسبة لكل القرى باستثناء القرارة فقد ألغيت فيها منذ عشرات السنين لاعتبارات سنبينها فيما بعد، يتحرك الموكب من المسجد العتيق يتقدمهم العزابة المؤذنون وينزلون حتى "زْقَاقْ الحُوشْ" فيقف الناس والكل يردد بعد العزابة "ننهي عن المنكر" ويتقدم العزابة إلى "بَابْ تَرْزُوقْ" ثم يعودون على طريقهم إلى المكان الذي تركوا فيه الموكب وهم في كل ذلك لا يفترون عن المناداة بهذه الكلمات والعامة من بعدهم تردد، فيسيرون إلى السوق الداخلي والخارجي إلى الباب الكبير ثم يعودون ويصعدون مع "العقبة" وهي الشارع الرئيسي حين يصلوا مسجد أبي سالم، وهناك يجتمع كل الناس وتلقى عليهم الكلمة أو الدرس التوجيهي فيما يتعلق بأداء هذه الوصايا، ويرشدوا إلى استيفاء الكيل وإلى اختيار الجيد من السمن واللحم، وأن المنفذ والموصي مأجوران عند الله على حسب نيتهما، إلى غير ذلك.

... ولنتساءل لماذا يفعلون هذا ولماذا يختارون أن تكون المظاهرة قبل بدء المقابر ؟! لقد سألنا فقال لنا المشايخ إنهم بذلك يبرؤن إلى الله عن كل منكر يقع في الخفاء مما لا يعلمونه، وبذلك يستطيعون أن يطمئنوا إلى ما يقدمه لهم الناس من الصدقات، فربما هناك من جمع المال من غير حله ثم ينفقه على الفقراء فيتقبلونه وهم لا يعلمون شرعية مصدره، فربما كان سحتا فهم يفعلون ذلك ليعذروا إلى الله، وقد ناقش الشيخ بيوض حفظه الله النظرية حين قرر إلغاء هذه المظاهرة في القرارة بأن النهي عن المنكر يجب علينا في كل وقت رأينا فيه منكرا بل قد يجب علينا تغييره بأيدينا كل ما أستوجب منكر ذلك وكنا قادرين، هذا فيما علمناه أما فيما لا نعلمه مما يقع في الزوايا الله سبحانه أرأف من أن يكلفنا فوق طاقتنا، فيجب علينا أن نغير المنكر إذا وقع ولا علينا بعد ذلك، ولذلك استمر عزابة المسجد في القرارة يغيرون المنكر إذا ظهر ويذهبون إلى المكان الذي ثبت أن به منكرا في مظاهرة تشبه تلك التي ذكرناها آنفا غير خائفين في الله لومة لائم، رغم ما فسرت به السلطة آنئذ من أن هذا خروج عن قوانين الدولة وإن في هذا الباب لصراعات طويلة طيلة عهد الاستعمار، فقد اعتبروا البراءة أو استعمال سلطة العزابة الزجرية أو التنديد بهذه المظاهرة في النهي عن المنكر أمام أي دار يقع فيها كل هذه أمور اعتبرتها السلطة العسكرية تدخلا صريحا و تعارضا للسلطة، وآخر موقف للسلطة عشناه هو محاكمة عزابة بريان في محكمة الإجرام في البليدة لأنهم عزَّرُوا رجلا أتهم بفاحشة وأقر واعترف ثم تاب أمام الناس في المسجد، ونحن نرى أن بقاء هذه العادة الحسنة يشعر الناس والعزابة معا أنه من الممكن أن يقوموا بمثل هذه المظاهرة إذا ما احتيج إليها في ردع المفاسد الاجتماعية، أما أن تكون لها فعالية ما دامت عملا شكليا أو روتينيا كما يقال الآن فلا جدوى فيها، فهناك كثير من التحديات التي قد يتوجب فيها على العزابة أن ينددوا ولكنهم يكتفون ببعض الدروس في المساجد أو في بعض الجنائز، ونحن لا نلومهم على هذا فشيء قليل خير من لا شيء، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

-بتصرف-

المصدر: كتاب الشيخ القرادي، رسالة في بعض أعراف وتقاليد واد مزاب. ص157-160

شاركنا بتعليقك