إسهامات

تحتوي الجزائر على أحد أكثر الأنظمة الدّينية والاجتماعية قدمًا، وهو أمر يجهله كثير من الجزائريين، حيث حافظ نظام حلقة العزّابة على تطوّره واستمراره طيلة 10 قرون متواصلة بدون أيّ انقطاع، وهو بهذا أحد أكثر الأنظمة الاجتماعية الدّينية ثباتًا واستمرارًا في العالم.

 لا يمكن تصوّر وجود تجمّع للإباضيين الجزائريين دون أن توجد حلقة العزابة، وهي هيئة دينية عرفية فريدة من نوعها أسّسها قبل قرون الشّيخ أبو عبد الله الفرسطائي في القرن العاشر الميلادي، أي أنّه أسّسها تقريبًا مع تأسيس أولى قرى وادي ميزاب.

يشترط في العزاب أو عالم الدّين الإباضي الّذي ينتمي لحلقة العزّابة الاستقلالية الاقتصادية، حيث يجب أن يعمل من عمل يده من الفلاحة أو من حرفة معيّنة، ويرتدي أعضاء حلقة العزّابة ملابس خاصة تعبّر عن الزُّهد في الدّنيا حيث يكون لباسهم عبارة عن قطعة منسوجة من الصّوف الخشن البسيط. تشير أغلب الرّوايات إلى مقدار الزّهد الّذي أظهره أعضاء حلقة العزّابة طوال التاريخ الطويل للمذهب الإباضي في بلاد المغرب بل إنّ عالمًا كبيرًا مثل البروفيسور إدوارد كووس من جامعة برمنغهام البريطانية وصف نظام العزّابة في قرى وادي ميزاب في كتابه “نظم اجتماعية دينية” بالقول إنّه نظام اجتماعي ديني فريد من نوعه قادر على تحويل مجتمع كامل إلى ما يُشبه الأسرة الصّغيرة.

ولا يُعرف بالتّحديد السّبب الحقيقي لإطلاق اسم “العزّابة” على الهيئة الدّينية الإباضية الشّرعية إلاّ أنّ الظّاهر حسب أغلب الرّوايات هو أنّها للتّعبير عن عزوب أو عزوف الشّخص عن الدّنيا واشتغاله بالآخرة وبشؤون مجتمعه وأمّته، كلمة مشتقة من العزوب أو العزّابة، وهي تعني العزالة، والغربة، والتصوّف والتهجّد، والانقطاع في رؤوس الجبال، ويقصد بها في هذا الاستعمال الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة، والإعراض عن حظوظ النّفس، والبُعد عن مشاغل الحياة، من أهل ومال وولد، فإنّ عضو حلقة العزّابة دائم الاشتغال بشؤون مجتمعه.

ويُعرف نظام حلقة العزّابة الدّيني في قرى وادي ميزاب، ولا يمكن أو يوجد مسجد يتّبع المذهب الإباضي دون أن تتوفّر فيه حلقة العزّابة، وهي هيئة عرفية موجودة في منطقة ميزاب منذ قرون عديدة، يقوم أعضاء حلقة العزّابة بالإشراف على شؤون المجتمع كلّها الدّينية والتّعليمية، وتكون حلقة العزّابة بمثابة المرجع الفكري والسياسي في الأزمات.

وتنتخب هيئة العزّابة شيخ يسمّى شيخ العزّابة يكون أكثر أهل القرية أو القصر أو البلد عِلمًا وكفاءة، ولا يشترط فيه أن يكون الأكبر سنًّا، والشّيخ يرأس الهيئة في جلساتها، ويمثّلها في جميع أعمالها، ويتكلّم باسمها، وينفّذ قراراتها، ويتولّى الإشراف المباشر على جميع شؤون البلد أو الأمّة، ويجب أن تعرض عليه جميع المشاكل والأحداث، وحكمه بعد قرار الهيئة نافذ في جميع الأحكام.

جدر الإشارة إلى أنّ مؤسّس نظام حلقة العزابة الّذي صمد 10 قرون في مواجهة التطوّرات والأزمات هو الشّيخ أبو عبد الله محمد بن بكر بن أبي بكر النفوسي الفرسطائي، أسّسه في القرن العاشر الميلادي، وهو أحد أقطاب الإباضية في المغرب، ومن أبرز المصلحين الاجتماعيين الدّينيين. ولد بفرسطاء بجبل نفوسة شرقي مدينة كباو سنة 956م، وتوفي سنة 1049م.

 

المصدر: مقال في جريدة الخبر اليومي يوم22  يونيو 2016، د. بن علي يونسي باحث في علم الاجتماع.

شاركنا بتعليقك