إسهامات

إن المتتبع لتاريخ منطقة مزاب لا يلمس الوضوح في تلك الحقب المشار إليها، ولا يستطيع أن يضع الحجرة الأولى في بناء تاريخها إلا ابتداء من القرن الخامس الهجري أي العاشر الميلادي، عندما انتقلت فلول الإباضية من الشمال بعد زوال الدولة الرستمية، واشتداد العبيديين الشيعة المناهضين للإباضية، وينمو العمران تدريجيا عند ما تململوا من سکنی ورقلة، وسدراتة؛ الناحية التي نزحوا إليها، قبل استقرارهم بمزاب.

والأسباب التي دعت إلى انتقالهم إلى مزاب مجهولة، وحسب ما يذكر بعض المؤرخين أن من جملة الأسباب تحرج موقفهم من أهل ورقلة، حيث اعتبروهم عنصرا منافسا يضايقهم بنشاطهم ومهارتهم التي اصطحبوها من الشمال الشرقي، مقر الإمامة الرستمية، ولعل في وخامة المنطقة أيضا ما زهدهم فيها، فجعلوا يلتمسون موطنا، أليق بهم وأنسب، فمناطق السباخ لا توافق سكان النجود، ولا نجد ألين وأصح هواء في تلك النواحي من منطقة مزاب الجبلية، ثم كانت ثورة بن غانية الميرقي على الموحدين في الشمال وانحيازه سنة 625 م إلى منطقة وادي ريغ وورقلة، وما نكب به تلك الناحية، ما جعل الكثير منهم يهاجر تلك المناطق ويتوافد إلى مزاب. يقول الشيخ مبارك الميلي عن هذه الثورة التي كلفت القطر الجزائري غاليا، وكانت مدينة سدراتة -المدينة الجديدة التي بدأ أهلها يتذوقون طعم الاستقرار- من جملة ما أوقعه الحظ التعس في قبضته، يقول: "دامت ثورة ابن غانية نصف قرن، لم يجن الوطن منها غير الخراب، فقد خرب كثيرا من قصور الصحراء بوادي ريغ وغيره، وخربت تاهرت، وقصر عجيبة، وزرقة الخضراء، وشلف، وحمزة، ومرسى الدجاج، والقلعة".

ولا يبعد أن يكون اختيار الإباضية لمزاب أيضا تهربا من الظهور والتجمع في ناحية معتبرة، حيث أصبحوا محل ريبة يهاجمون كلما ظهر منهم تجمع أو قوة.

على أنه لا يؤخذ مما سبق أن عمران مزاب کان دفعة واحدة، وبصفة جماعية، إنما كان تعاقبا، وفي فترات امتدت فيها الهجرة من هنا وهناك؛ من ورقلة، وسدراتة، ووادي ريغ، وجربة، والساقية الحمراء، وتفيلالت بالمغرب، وجبل نفوسة بليبيا، وغيرها. في مدة قرنين أو ثلاثة قرون.

يقول الأستاذ المؤرخ الدكتور بحاز إبراهيم: "ونبقى مع ابن خلدون حيث يذكر في نص دقيق موقع قصور بني مصاب، فضلا عن إشارات تاريخية ذات أهمية كبرى، فيقول: "ومن بني واسين هؤلاء بقصور مصاب على خمس مراحل من جبل تيطر في القبلة لما دون الرمال، على ثلاث مراحل من قصور بني ريغة في المغرب، وهذا الاسم للذين اختطُّوها ونزلوها من شعوب بني بادين، وضعوها في أرض حرَّة على أحكام وخراب ممتنعة في مسارحها بين الأرض المحجَّرة المعروفة بالحمادة في سمت العرق، متوسَّطة فيه قبالة تلك البلاد على فراسخ ناحية القبلة، وسكانها لهذا العهد شعوب زناتة، وإن كانت شهرتها مصاب".

ثم يقول تعليقا على هذا النص بأسمائه وجغرافيته القديمة نسبيا: "إن أهم ملاحظة يمكن الخروج بها من هذا النص هي أن زناتة، ومصاب خاصة هم الوحيدون الذين كانوا يسكنون هذه المنطقة التي حددها ابن خلدون بنوع من الدقة، وهذا إلى عهده، وهو المتوفى عام 808هـ / 1405م؛ فالمنطقة للزناتيين عموما، ونسبت للميزابيين خصوصا، وهي إلى القرن الثامن الهجري، الرابع عشر للميلاد، لا يسكنها إلا هؤلاء الزناتيون، الذين عليهم تسمية بني مصاب".

نسوق هذا النص الخلدوني وما علق به الأستاذ عليه، لأولئك الذي يحاولون عبثا تزوير تاريخ المنطقة، بالحديث عن معالم طمست، ومتى كانوا يبنون مساكن محترمة، فضلا عن معالم! ولمن لا تزال تستهويهم أسطورة داية وغارها؛ فقصور مزاب الأولى شيِّدت أصلا قبل دخول الأعراب أرض المغرب منتصف القرن الخامس الهجري 445هـ، وهي لأهلها -حسب ابن خلدون- إلى بدايات القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي -على الأقل-.

-بتصرف-

المصادر:  - كتاب مزاب بلد كفاح، إبراهيم محمد طلاي، ص17-19.

     - موقع آت مزاب

شاركنا بتعليقك