هجرة النبي محمد (ص) فرارًا بدعوته لا فرارًا بنفسه
لم يكن بقريش إذن حرص على دينها، بل كان بها الحرص كل الحرص على كيانها؛ ولم تكن تدافع عن عقيدتها، وإنما كانت تدافع عن سيادتها؛ ومن أجل هذا وقفت تناوئ دعوة الإسلام، وتحاول أن تمنعها من الخروج عن أقطار مكة. فلما تسربت الدعوة على رغمها إلى يثرب، وصار لها هنالك أنصار وأعوان، وأخذ المسلمون يتسللون من مكة مهاجرين إلى هذا المأمن الجديد.. أدركت قريش ما هنالك من خطر، وأيقنت أن الخطر لا بد واقع بها، إذا لم تتدارك أمرها بأسرع ما تستطيع؛ فاعتزمت أن تقضى على محمد، قبل أن يلتحق بأصحابه وأنصاره في المدينة.
والذي لا شك فيه أن قريشا لم تكن تبغي القضاء على محمد لأنه محمد؛ إنما كانت تبغي القضاء عليه لتقضى على دعوته الخطيرة؛ فقد خُيّل إلى قريش أن محمدا هو باعث هذه الدعوة ومصدر الخطر فيها، وأن في القضاء عليه قضاء على دعوته؛ وغاب عنها أن محمدًا ليس إلا رسولاً، وأن الله الرحيم بعباده وهو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولَوْ كَرِهَ المشركون، وأنه تكفل لرسوله بأن يعصمه من الناس حتى يبلغ رسالته؛ ومن أجل هذا صرف عنه كيد قريش، وهيأ له سبيل الهجرة بدعوته إلى يثرب.
قريش تطارد الدعوة في المدينة كما كانت تطاردها في مكة
لم تكن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إذن فرارا بنفسه من قريش، إنما كانت فرارا بدعوته الحبيسة، بعد أن وقفت قريش لها بكل السبل، تحول بينها وبين الظهور والانتشار؛ فهل كان من المعقول أن تسكت عنه قريش وأن تتركه في مكانه آمنا ينشر دعوته كما يشاء وحيث شاء؟.. إن نجاح هذه الدعوة معناه القضاء المبرم على كيان قريش فكيف تتركها الآن تهدأ وتستقر، بعد أن بذلت ما بذلت في حربها هذه السنين الطوال؟ كيف تتركها وقد أصبحت خطرًا يهدد تجارتها إلى الشمال، بعد أن صار لها في المدينة أنصار وأعوان؟..
لم يكن هناك شك في أن قريشاً ستضاعف جهودها في محاربة هذه الدعوة، وستبذل كل ما في وسعها لكي تجمع العرب على محاربتها. وهذا ما أخذت قريش تعمل له وتسعى إليه؛ فقد جعلت منذ ذلك الحين تحرض القبائل المحيطة بالمدينة على المسلمين، وتؤلب عليهم أعداء الإسلام في داخلها، فقضى المسلمون أيامهم الأولى بالمدينة بين خوف وحذر، يترقبون في كل لحظة عدوا يهاجمهم بقوته من الخارج، أو يفاجئهم بخيانته من الداخل.
-بتصرف-
شاركنا بتعليقك