إسهامات

القصد من وصف المؤمنين في القرآن والسنة :

عن النبي ﷺ أنه قال: " مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى ".

أول نقطة: وصف المؤمنين في القرآن والسنة ما القصد منه؟

هناك هدفان كبيران، أول هدف أن تعرف من هو المؤمن، أو أن تتحرك نحو هذا الهدف، والثاني أن يكون هذا الوصف مقياساً لك، نقطة دقيقة أن تعرف من هو المؤمن، وأن تسعى لأن تكون مؤمناً، وإذا أصابك قلقٌ فيما إذا كنت مؤمناً، أم لم تكن مؤمناً، فهذا الوصف مقياس لك.

لو أن واحداً منهم أصابه خير، هل تفرح له؟ بكل صراحة، إن فرحت لهذا الخير الذي أصاب أخاك فأنت مؤمن ورب الكعبة لماذا؟ لأن المنافقين وصفهم الله عز وجل فقال: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ سورة التوبة، الآية: 50.

لك أخ أخذ دكتوراه، لك أخ نجح بزواجه، نجح بتجارته، هل تفرح له كما لو أن هذا النجاح لك؟ ورب الكعبة إن فرحت لخير أصاب أخاك فأنت مؤمن، وإذا تألمت وانزعجت، وكظمت الغيظ، وتمنيت لو أن هذا الخير لم يصل إليه، أو تمنيت أن يزول عنه، أو سعيت إلى إزالته، فأنت منافق، الدليل الآية الكريمة: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ، ﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا سورة آل عمران، الآية: 120.

هذا مقياس، امتحن إيمانك بمشاعرك تجاه أخيك إذا أصابه خير، أن تفرح له، وامتحن إيمانك بمشاعرك تجاه أخيك إذا أصابه سوء، هل تتألم؟ هل تتمنى ألا يصاب بهذا السوء؟

التفرقة بين المسلمين هي الورقة الرابحة الوحيدة بيد أعدائهم:

تصور أحدث رقم سمعته قبل أيام أن المسلمين صار عددهم مليار وثمان مئة مليون، أي أكثر من ربع سكان الأرض، يتربعون على منطقة استراتيجية تعد أول منطقة في العالم، عندهم ثروات باطنية، هي أغلى ثروات في الأرض، ومع ذلك هم أفقر الشعوب، وبينهم مناحرات، وعداوات، بل وحروب، بل إن أعداء المسلمين يتعاونون وبينهم خمسة بالمئة قواسم مشتركة.

كنت مرة بإيطاليا، أخ دعاني إلى مكتبه فزرته في إيطاليا، ثم دعاني إلى بيته، كان في بلد آخر في سويسرا، معقول، بيته ببلد، ومكتبه ببلد آخر، لا يوجد حد، ولا لوحة، لكن أنا عندما طلبت التأكيد على ذلك، قال لي: يوجد بالطريق صف أحجار عرضي، هذا الفرق بين سويسرا وايطاليا، دول فيما بينها حروب لا يعلمها إلا الله، وقوميات، فكرت فأصبحت دولة واحدة، عملتها واحدة اليورو، ينطق بلسانها واحد، تصور أوربا بكاملها، السوق المشترك، ينطق بلسانها واحد، والعملة واحدة، والأموال تنطلق بلا قيد أو شرط، معقول هؤلاء بذكائهم اتحدوا، ونحن مليار وثمان مئة مليون مسلم، نملك ثروات لا يعلمها إلا الله، نتمتع بموقع استراتيجي أول في العالم، ونحن أفقر الشعوب من التفرقة!.

لذلك اعتقدوا يقيناً أن الطغاة بالأرض معهم ورقة رابحة وحيدة، هي التفرقة بين المسلمين، هذه الورقة الرابحة الوحيدة، نحن بوعينا نستطيع أن نسقطها، أو أن نأخذها منهم بالتعاون.

مؤمن بالإله العظيم، مؤمن بالنبي الكريم، مؤمن بالقرآن الكريم، لماذا تعاديه؟ لذلك الله وصف فرعون وهو طاغية سيدنا موسى، قال: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً سورة القصص، الآية: 4.

هذا شأن الطغاة، التفرقة بين المسلمين، لما جاء الغرب إلى بلد مجاور واحتله، أول شيء قسمه إلى عربي، وكردي، وآشوري، وسني، وشيعي، أي هناك تركيز واضح جداً على التفرقة.

على الإنسان أن يكون انتماؤه إلى مجموع المؤمنين كي يكون مؤمناً:

لذلك أتمنى على الواحد منكم إن كان له جامع، على العين والرأس، لكن أخاك بالجامع الثاني أخوك بالإيمان، لا تعاديه، لا تنظر له نظرة دنيا، نحن من جامع فلان، يجب أن يكون انتماؤك إلى مجموعة مؤمنين حتى تكون مؤمناً.قال نبينا ﷺ: " مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم ".

يجب أن تكون مودتك لكل المؤمنين، لكل المسلمين، وأن تكون رحمتك وعطاؤك لكل المسلمين، وتعاطفك مع كل المؤمنين.

يجب أن تقلق لسوء أصاب أخاك، يجب أن تفرح لخير أصاب أخاك، والآية الكريمة دقيقة جداً: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ سورة التوبة، الآية: 50، ﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا سورة آل عمران، الآية: 120، أي لا يوجد إنسان إلا ويعلم حقيقته، والدليل: ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ سورة القيامة، الآيات: 14-15.

قالوا: بإمكانك أن تخدع معظم الناس لبعض الوقت، وبإمكانك أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا من سابع المستحيلات، أنا أضيف على هذا القول: أما أن تخدع نفسك لثانية واحدة فمستحيل، الدليل: ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ .

من دلائل قدرة الله عزّ وجل المودة و الرحمة بين المؤمنين:

لا يقوي المسلمين إلا أن يكون انتماؤهم إلى الجميع، أنت تحب كل المؤمنين لكن هناك نظرات ضيقة جداً، هناك انتماء إلى فقاعات، إنتماؤك إلى جامع واحد، أي إذا كان لك جار من جامع ثان تقول: هذا ليس من أخواني، خير إن شاء الله، من قال لك ليس من إخوانك؟ له عند الله مكانة كبيرة، هذا الفكر القديم الذي عشناه في الخمسينات يجب أن ينتهي، يجب أن يكون انتماؤك إلى مجموع المؤمنين، لذلك: " مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى ".

 هذا الذي يرفع قدر المسلمين، هذا الذي يقويهم، هذا الذي ينمي بينهم المودة والرحمة، والله عز وجل من دلائل قدرته أن جعل هذه المودة والرحمة بين المؤمنين، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً سورة مريم، الآية: 96.

قال علماء التفسير: ود فيما بينهم، وقال بعض العلماء: ود فيما بينهم وبين الله.

-بتصرف-

المصدر: موسوعة النابلسي

شاركنا بتعليقك