إسهامات

قد يظن البعض حين نتحدث عن مشكلة التفاهة وانتشارها وشعبيتها أن ضررها محصورٌ في تضييع الأوقات فقط، ورغم أن كلمة "فقط" لا يمكن أن تناسب الحديث عن أزمة كبرى كإضاعة العمر الذي هو فرصتنا الوحيدة فيما لا يرضي الله؛ فإن مشكلة التفاهة تتعدى الأوقات الضائعة فيها حتماً.

إن المرء الذي يسلم نفسه لمحتوىً تافه إما ليتسلى أو يضحك منه فإنه في الحقيقة يفتح بوابات قلبه وفكره لهذا المحتوى، ويسمح له بإدخال ما يريد من سموم وشبهات وشكوكٍ واستهزاء بالمقدسات وتنحية للدين واستخفاف بالمعاصي وتشويه لصورة المتدينين وتعظيم للغرب والانهزام أمامه وغيرها من المصائب التي تمر دون حساب ولا يحصد المرء عواقبها إلا لاحقاً وقد استوطنت قلبه وبدأت أعراض أوبئتها بالظهور..

قد يكون مسلسلاً تافهاً تتابعه الفتاة لتتسلى قليلاً بعد إنهاء دراستها، لكنها تتفاجأ بعد شهورٍ من غضبها السريع من أي كلمةٍ يوجهها أباها لها، ولا تعلم سبب تضايقها الشديد إن طلبت منها أمها مساعدتها في تحضير الطعام أو غسيل الصحون..

وقد تكون بضعة فيديوهات تافهة عن زوجين يصوران حياتهما الزوجية ويمثلان بعض المقالب والمواقف "الفكاهية" مع بعضهما، لكن الرجل يتفاجأ بعد مدة بأن زوجته المؤمنة العفيفة لم تعد ترضيه بجمالها وزينتها وحتى الأطباق التي تعدها والطريقة التي ترتب بها بيتها..

ستجد كلمات تتسرب إلى لغتك من تلك التفاهة، ستتغير ردات فعلك وربما طريقة كلامك ومشيتك والأمور التي تعنيك، وسترى أن فكرك وإيمانك يتأثر شيئاً فشيئاً بسبب أنك سلّمته لمن لا يرى رضا الله أولوية في حياته ولا يعنيه إلا أن يضحكك ويمتعك ليربح مزيداً من وقتك معه!

هل الأمر مبالغٌ به؟

- عام 1971 عُرِض الفيلم العنيف A Clockwork Orange في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي نفس العام ارتفع معدل الجريمة في البلاد بنسبة 11%.

- صوّر فيلم Top Gun الذي أنتج بالتعاون مع البحرية الأمريكية القوات البحرية بطريقة إيجابية وجذابة، ووجد الباحثون أن عدد الشباب الذين يتقدمون للبحرية زاد بنسبة 500% في الشهور التالية للفيلم.

- وجدت دراسةٌ أجريت عام 2012 على 6500 يافع أن مشاهدة اليافعين للأفلام التي تحتوي مشاهد تدخين تزيد نسبة بدئهم للتدخين بغض النظر عن السياق الذي ظهر فيه المدخن.

- في دراسة نشرت عام 2015 وجد باحثون ان مشاهدة الأفلام التي تصور الحكومة بصورة إيجابية تزيد ثقة المشاهدين بإدارة دولتهم وترفع تفاؤلهم بها، وأكد الباحثون أنه يصعب معرفة حجم هذا التأثر ومداه الزمني (لشهور، سنوات، أم مدى العمر).

والقائمة تطول، وإن كانت تبدو درامية جداً في بعض الأحيان، فكيف يمكننا أن ننكر التأثر بما نشاهد ونُدخل لنفوسنا؟ وإن كانت هذه النفس هي كل ما نملك، وهي التي نفلح إن زكيناها ونخيب إن دسيناها فكيف نتجاوز عن هذا كله ونسلمها لصناع التفاهة بأجنداتهم أو برغبتهم بالربح المحض ليشكلوها ويرسموا خط مسيرها؟

ومن الرابح في النهاية ومن الخاسر من ذاك كله؟

المصدر: قناة تسنيم راجح في التيلجرام.

شاركنا بتعليقك