... فالإباضية ينزهون الله عز وجل تنزيها مطلقا ولا يشبهونه بالخلق، فهو تعالی مدح نفسه بنفسه قائلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الشورى: 11. وعلى هذا فهم يرجعون الآيات المتشابهات في القرآن إلى الآيات المحكمات امتثالا لأمره تعالى وتنفيذا ﴿هُوَ الذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الذِينَ فِي قُلَوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَاوِيلِهِ﴾ آل عمران: 07. والمحكم هو ما اتضح معناه مثل: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ الإخلاص: 03. ومثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ البقرة: 275. فالمعنى واضح ولا يحتاج إلى تأويل، وأما المتشابه هو ما احتمل أكثر من معنى فيحتاج إلى شرح وتأويل مثل ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ المائدة: 64. أي نعمتاه الظاهرة والباطنة أو النعمة والقدرة وهذا التفسير يبعدك عن التشبيه والتجسيم.
وليحذر المسلم العاقل من مقولة المجسمة لله القائلين: "نحن نصف الله بما وصف به نفسه" فلا يؤولون ولا يأخذون بالمجاز في مسألة الصفات، ولذلك فإن اعتقادهم هذا قادهم إلى القول بأن لله جوارح حقيقية فمثلا قالوا له يدان حقيقيتان ليست كأيدينا تعالى الله وتقدس وتنزه عن هذا المعتقد الخاطئ، وحتى يتبين لك أن تلك المقولة خاطئة وليست موافقة للحق تأمل في هذه الآية الكريمة ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ القمر: 14. أي تجري بعناية ولطف الله، ولا يتخيل عاقل بأن السفينة تجري في أعين الله فليس له أعين تعالى الله عن هذا الوصف المجسم فهو ليس كمثله شيء، علما أن كثيرا من آيات القرآن الكريم نزلت بصورة مجازية أي متشابهة وغير محكمة ولذا فإنها تحتمل أكثر من معنى فتحتاج إلى شرح وتفسير مثل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ طه: 05. فالاستواء في هذه الآية بمعنى الاستيلاء والقهر والسيطرة، أي أن العرش وكل الكون بعد الخلق أذعن له سبحانه وأتاه طائعا والدليل على ذلك يتضح في الآية التي بعدها ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ طه: 06. فكلمة استوى ليس بمعنى جلس - تعالى الله عن التحيز والتبعيض - وخير ما فسر القرآن نفسه ولذلك فالله عز وجل يقول عن نفسه على لسان سيدنا هود عليه السلام ﴿إِنَّ رَبـِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ هود: 56. فحرف الجر "على" في الآيتين لا يعني العلو الحسي لله تعالى فهو سبحانه كان ولا مكان ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان وهو خالق المكان والزمان وهو غني عن الحاجة لخلقه.
ولذلك فلا يجوز وصف الله - سبحانه وتعالى - بالحلول في الأمكنة كالسماء والعرش والصراط استنادا إلى بعض الأحاديث الأحادية أو المكذوبة قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذِي فِي السَّمَآءِ اِلَهٌ وَفِي الاَرْضِ إِلَهٌ﴾ الزخرف: 84 وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ اِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ اِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلآَ أَدْنَى مِن ذَالِكَ وَلآَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمُ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ المجادلة: 07. فوجود الله عز وجل وجود علم وإحاطة بكل أمر أي أنه ليس بجسم ولا عرض وإنما واحد في ذاته كمُلَا، وللأدلة السابقة المنزهة لله عن مشابهة الخلق ولغيرها من الأدلة فإن أهل الحق والاستقامة يعتقدون استحاله رؤية البارئ - سبحانه وتعالى - فهو الذي امتدح نفسه قائلا: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الأنعام: 103. والمعلوم أن صفات الله لا تتبدل ولا تتغير فكما أنه فرد صمد في الدنيا فهو كذلك في الآخرة وكما أنه لا يرى في الدنيا فلن يُرى في الآخرة.
وأما أولئك القائلون بالرؤية فإن فكرهم البشري القاصر سيقودهم بلا شك إلى تشبيه الخالق بالمخلوق فيؤدي ذلك إلى نزع الهيبة والعظمة من القلوب. "ولقد اعتبر القرآن الكريم طلب اليهود للرؤية أمرًا قبيحا ومعصية من المعاصي" ولذلك عاقبهم بالصاعقة فلو كانت الرؤية من نعيم الجنة لما نزلت عليهم صاعقة لأننا لم نسمع أن إنساناً طلب نعيماً فعاقبه الله بالصاعقة: ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ النساء: 153. وتأمل في كلمة بظلمهم فهي تخبرنا بأن طلب الرؤية يعتبر من الظلم...
-بتصرف-
المصدر: كتاب مذهب الإسلام الأول، عبد العزيز بن سعود المعولي، ص 20-25.
شاركنا بتعليقك