كانوا يدافعون عن حقهم في البقاء.. وعن حقهم في الاختلاف.. البقاء في وجه صحراء ..
قاسية اختاروها منفى ومأوى.. فلم تهبهم الأمان بقدر ما أثارت فيهم غريزة التحدي، والاختلاف ضد الأغلبية الساحقة من أعضاء المذاهب الأخرى.. إن وادي مزاب هو عالم مصغر، أصدق ما فيه هو إرادة الإنسان وإصراره على أن يواصل التباين والاختلاف.
دعوني أعترف لكم في البداية بمدى ما شعرت به من تقصير. كانت الرحلة إلى وادي مزاب تأخذني في متاهاتها دون أن أعرف عن هذا الوادي شيئا. كل ما خطر في بالي أنه كان على حافة الصحراء الجزائرية الكبرى. وكان الهدف الأول من هذا الاختيار هو البعد عن العاصمة المزدحمة بالتلوث والغبار.. وكل أمراض العواصم التي حطمت أحلامنا العربية. كان وادي مزاب يبدو لنا مثل "مطهر" صحراوي بعيد. جاف وحار، ولكنه كفيل بأن يقتل في داخلنا كل ما تركته المدينة من جراثيم التلوث والحيطة والادعاء. ولكن هذا الوادي الضائع في الصحراء كشف لنا عن أكثر من مفاجأة. أولاها أن هذا المكان هو واحد من 60 مكانا صنفتها اليونسكو تراثا إنسانيا عالميا يجب عدم المساس به. وثانية المفاجآت أن هناك عشرات الدراسات والكتب العربية والعالمية قد كتبت عن هذا الوادي لتسجل أدق تفاصيل الحياة في شعابه.
دهشة الاكتشاف..
الطائرة تحلق بنا عاليا. في المساحة الضيقة ما بين السحب ورؤوس الجبال. تضاريس متجهمة تلتف خلالها طرق ضيقة مثل شرايين الجسد. شبكة الطرق عبر الصحراء الكبرى هي واحدة من أفضل إنجازات الجزائر. وبرغم ذلك فتلك الوعورة الزائدة على الحد تجعل الوصول إلى وادي مزاب نوعا من التحدي..
هبطت بنا الطائرة في مدرج المطار البسيط. لم أكن أدري أن هذا المدرج يستقبل مباشرة عشرات السائحين القادمين من أوربا لزيارة هذا الوادي فقط. والبعض منهم يفضل الضياع في الصحراء التي تحيط به إذا كان ذلك ممكنا. وظللت طوال المسافة في المطار إلى مدينة "غرداية" عاصمة الوادي وأنا أحاول أن أتمثل شكله. كان الأمر قد ازداد إثارة، وزميلي المصور متحفز بالكاميرا لالتقاط أول الملامح. ولكن الظلام كان قد سبقنا ولم يبق من المدن إلا أضواء متناثرة تحدق فينا بحذر. ولكنها بشكل أو بآخر ترسم ملامح هذا الوادي وهي تصعد متدرجة من الأسفل نحو قمة غير مرئية. كان الوادي يتنفس بعمق تحت الظلام، أنفاساً حارة تجعلك تحس بحضوره حتى وأنت لا تستطيع تحديد ملامحه.
كنا أيضا قد اخترنا التوقيت الخاطئ للقيام بالاستطلاع. في عز يونيو حيث ترتفع درجات الحرارة إلى الخمسين وسط صحراء قائظة. ولكن لعل هذا التوقيت بالذات هو الذي أعطانا الفكرة الحقيقية عن المعاناة التي عاشها أهل الوادي حتى يستطيعوا التكيف مع هذه البيئة دون الاستعانة بأي وسائل حديثة.
أشرقت الشمس مبكرة. كأن السماء أقرب ما تكون إلى الوادي. وبدأ سياج النخل الممتد أمامنا يحيط كالسوار بكل مدينة من مدن الوادي. مع لمحة الضوء الأولى وقفنا مذهولين. هذا التناسق والجمال اللذان صنعا على قياس الإنسان كما يقول المصور الفرنسي كلود بوفار الذي فتن بتصوير ملامح الوادي.
تستقبلنا المدن الخمس.. غرداية.. ويني يزجن وبنورة ومليكة والعطف.. مدن صغيرة كأنها أخوات. متشابهات مختلفات. في كل واحدة سحر خفي. تتدرج بيوت غرداية من أسفل إلى أعلى..
في القمة يوجد مسجد بمنارته الأندلسية المحورة. هرم ناقص صغير يعلو فوق كل شيء ثم تحيط به البيوت في ارتفاع واحد. كل بيت ملتصق بالآخر ظهرها إلى الخارج وأبوابها إلى الداخل. كأنها تكوّن مجموعة من الأسوار الدائرية تحيط بالمسجد. الألوان هادئة متناسقة مع كل ما يحيط بك. لا يوجد لون فاقع، كان هناك حرص على عدم الشذوذ والتفرد.. إنها قاعدة واحدة تسود كل شيء هنا..
غرداية يا غرداية. البيوت المتلاصقة تحتوينا. تكون بينها طرقات ضيقة ملتوية مسقوفة أحيانا يسري بينها الهواء أقل سخونة من الوادي المفتوح..
لقد وضع الشيخ أطفيش أحد أقطاب الوادي في كتابه: "شرح النيل في شفاء العليل" أسس العمارة في هذا الوادي.. بحيث تتساوى جميع البيوت في الارتفاع. فلا يعلو أحد على بيت جارة. ولا يحجب عنه الشمس ولا الهواء. كذلك يجب ألا يظهر على البيوت أي مظهر من مظاهر الترف من الخارج.. وكذلك القبور.. كل الأشياء سواسية.. يأخذنا الشيخ صالح إلى داخل أحد البيوت القديمة ويشرح لنا كيف كانت الحياة المنزلية. أنه شيخ عجوز، متقاعد، ولكنه وهب نفسه ليكون دليلا مجانيا لكل السياح الذين يزورون الوادي. كان يتحدث الفرنسية بطلاقة ويجد من الصعوبة أن يترجم العربية لنا.. لعلنا كنا بالنسبة إليه سائحين نادرين. ننبش في جدران البيت حيث توجد آثار من القواقع محفورة على الصخور. ويجعلنا نذوق طعم عروق الملح. هذه المنطقة كلها كانت مغمورة بمياه البحر منذ ملايين السنين. ولكن مياه البحر انحسرت وتركت خلفها الصحراء والوادي. فتحات البيت القديم تتبع حركة الشمس. تتيح دخول أكبر نسبة منها في الشتاء وأقل نسبة في الصيف.
إنها الثنائية التي تحكم كل شيء في هذا الوادي. مدينة للشتاء وأخرى للصيف. في الشتاء يعيش الناس في هذه البيوت. أما في الصيف فينتقلون إلى البساتين أسفل الوادي حيث يرق الهواء تحت ظلال النخيل. كما أن مدينة الأموات تجاور مدينة الأحياء. حيث لا تتمايز القبور ولا يوجد عليها شواهد. مجرد أحجار، حجر للمرأة وحجر للرجل وحجر صغير للطفل. وعلى كل قبر يضع أهل المتوفي شيئا من الأشياء التي كان يعتز بها. الكوب الذي كان يشرب منه، أو الطبق الذي كان يأكل فيه. كذلك الثنائية التي تقسم الوادي إلى مدينة للرجال وأخرى للنساء.. حدود غير مرئية ولكنها موجودة ومؤكدة بين الجنسين.
الجو حار ولكن حركة السوق في غرداية أكثر اشتعالا. سوق غرداية دائما يعقد في الصباح، ولكن سوق بني يزجن لا يعقد إلا قبل غروب الشمس. أنواع مختلفة من البضائع. فواكه وبقول وملابس وأجهزة كهربائية. الدروب الضيقة المتفرعة من السوق كل واحد منها مخصص لنوع معين من النشاط التجاري. درب للقصابين. ودرب للعطارين وتجار البهار. ودرب للأبسطة وحتى الحلاقون لهم درب خاص.. إن أسعار السوق وتنظيم حركة التجارة فيه مثلها مثل الكثير من بقية الأنشطة الحياتية في هذا الوادي محكومة من قبل "مجلس العزابة" وسوف نسمع كثيرا عن هذا المجلس قبل أن نعرف ماذا يمثل بالضبط.. في الأعلى يوجد المسجد. أنه في القلب دائما. كأنه خط الدفاع الأخير لكل مدينة من المدن. تكوينه الداخلي غاية في البساطة والانسيابية. لا يوجد على جدرانه أي نوع من أنواع الزخارف. حتى المحراب لا يوجد ما يميزه أكثر من مكان غائر في الحائط. إنه التقشف الذي لا يشغل المصلي عن الخشوع. والمئذنة ترتفع إلى مائة وعشرين درجة لتستشرف كل حلقات البيوت الدائرة حولها. لقد قال عنه المهندس الفرنسي لوكور بيزيه في كتابه "نحو عمارة عصرية": "عندما تقل في رأسي أفكار البناء أذهب إلى المسجد في غرادية حيث أجلس في ساحته لتواتيني الأفكار".. إنه لم يكتف بالجلوس في ساحة المسجد فقط ولكنه نقل تصميمه المعماري الداخلي لينفذه في كنيسة رون شون في مقاطعة بيرباتي الفرنسية.
.. يتبع.
-بتصرف-
منقول من مجلة العربي العدد 445. محمد المنسي قنديل
المصدر: موقع آت مزاب
شاركنا بتعليقك